وغد و أوغاد

البرد قارس قاسي. خصوصا في هذه الساعة المبكرة، و خصوصا علي من جاوزت الخمسين من العمر.

تدثرت في معطفها، مستطلعة مدخل الشارع الذي يهل منه اتوبيس الهيئة في تمام السابعة من كل صباح. لكن بدلا من علبة الصفيح المزمجرة، خرج عليها من الضباب الكثيف ذلك الغريب المثير. طويل ربعة يركض متعثرا في خطواته. يتوقف عند محطة الباص و يستقر مستترا خلف الحاجز الأيمن. فرد ساقه المخضبة بالدماء امامه و هو يأن في صمت. رفع اليها بوجهه الوسيم الملامح. متقطع الأنفاس، همس
– ارجو الا أكون قد اخفتك؟
– مال ساقك؟
– يطاردني بعض الأوغاد.. اطلقوا علي النار.
– يا ربي!
– لا تخافي، ليسوا من الأوغاد الذين تخشينهم. انهم الشرطة.

تناهت الي مسامعها أصوات الراكضون خلفه، و ان حجبهم الضباب عن الرؤية حتي حين.

حدقت فيه مستطلعة امره، فابتسم لها في رقة.
– تبدين امرأة ذات شأن، وجهك جميل و هندامك راقي. البالطو مع الحقيبة و الحذاء، حتي الساعة متناسقون متناغمون. ماذا تفعل امرأة في رقيك على محطة الأتوبيس في هذه الساعة المبكرة من اليوم؟
تجاهلت اطراءه، و ان ارتفعت روحها بعض سنتيمترات فوق الأرض.
– لماذا يطاردونك؟
– انت تعرفين من يطاردون هذه الأيام.

ليس له من لحية شعثاء او زبيبة فوق الجبهة، بل يتألق وجهه بالصدق و الحرية. ان هو الا شاب احمق استدرجته المثالية – من ايمان خرافي بالحق و العدالة – حتي اردته في هذه المحنة.

سحبته من يده.
– قم و تخفي خلف هذه الشجيرات، وراء اللوحة الإعلانية.
اطاعها كطفلها الذي لم تنجبه، و سرعان ما اختفي عن الأنظار.

ان هي الا ثواني معدودة حتي خرج من حجب الضباب امين شرطة مسلح، يتبعه عسكري سقيم. سألاها عن الجريح الهارب، فقالت انه أكمل ركضه الي اخر الشارع.

بعد ما استيقنت ابتعادهما، نادت عليه ليخرج. هتفت به لائمة
– دعك من السياسة و اذاها و التفت الي ما يصلح حالك. اكمل دراستك او ابحث عن عمل يناسبك.
تألق وجهه، لكن بابتسامة ابعد ما تكون عن البراءة و الرجولة.
– شكرا يا تيزة.
اخرج مطواة قرن غزال، و بسطها بحرفية قاطع الطريق المخضرم.
– قوام بقي بالبالطو و الشنطة و الساعة.. و الجزمة كمان.
– و امشي حافية؟
– ان شاء الله تمشي علي دماغك، ما يخصنيش. يالا اخلصي بسرعة.

Facebook Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *