و عادت فريدة

لم تكن الساعة قد جاوزت الثامنة مساء، عندما استأذن المساعد في الانصراف مبكرا. لم يمانع آدم برادلي، صاحب متجر “ميوسيس” للكتب النادرة بوسط مدينة باريس، برغم انشغاله في مطالعة أحدث مقتنياته: كتاب عربي، مطبوع أواسط القرن التاسع عشر، لدبلوماسي عربي متقاعد خدم في الخارجية العثمانية في طورها القديم (عندما لم تكن وزارة بالأساس؛ قبل تحولها إلى النمط الغربي بفضل قانون ’التنظيمات‘، عام 1836). أخذ الكتاب و نزل من مكتبه الوثير بالدور العلوي، ليحل مكان مساعده في مساعدة الزبائن و أمام ماكينة الكاشير.
كان يقرأ الكتاب في لغته الأصلية، فآدم برادلي، برغم كونه أمريكي الأصل، إلا أنه تربى في الشرق العربي لفترة معتبرة من طفولته. عشق آدم اللغات الشرقية فالتحق بكلية الدراسات الشرقية بأكسفورد، ليدرس العربية و الفارسية و التركية، ثم انتقل إلى باريس، ليعمل بعض الوقت في دار نشر مهتمة بترجمة الأعمال من العربية إلى اللغات الأوروبية، لكنه سرعان ما ملّ العمل تحت إمرة الآخرين، فاستقال و أنشأ تجارته الحالية. Continue reading “و عادت فريدة”

جمال أحمد جمال – الفصل الثاني


من ابعد مشاهد الطفولة في ذاكرتي، مشهد دخول المدرسة.
في ذلك الوقت، لم يكن من المعتاد ان يُدخل الأهالي أطفالهم حضانات ما قبل المدرسة، لذا كانت لحظة دخول المدرسة، بعالمها الواسع و مبانيها الكبيرة و ازدحامها المُرعب بالغرباء – و كما المتوقع – مشهدا دراميا ملحميا، ينُحت بإزميل من صلب في صخرة الذاكرة الأبدية لكل طفل خاض تلك التجربة الصادمة مع العالم الخارجي.
لم يكن والدي قد توفي بعد، لكنه لم يكن متواجدا او مشاركا في تربية ابنه الأول (و الأخير)، و لم يكن ليلقى بالا لمثل تلك النشاطات العادية المملة. اخبر والدتي انه في مهمة لشركة النقل التي كان يعمل بها، في بورسعيد او طنطا. لم تجادله، برغم عدم تصديقها له؛ فهو اما يدخن الحشيش مع بعض الاشقياء الفلسطينيين او يقارع الخمر مع بعض الثوار من غرب افريقيا، او ينخرط مع بعض أصدقائه في الحزب الشيوعي القديم في بعض مواضيعهم الخزعبلية، بداية من محاولات اعادة احياء الحزب، وصولا للتخطيط للهرب إلى كوبا.
المهم انه لم يكن موجودا في تلك اللحظة الخالدة من حياتي الطفولية البريئة. كانت أمي موجودة بالطبع، لكن في تلك الفترة المبكرة كانت عظامها لا تزال لينة، لم تعركها الحياة بخشونتها التي اكتسبتها لاحقا، بل كانت لا تزال تتلعثم بلكنتها الشرقاوية و يخونها لسانها بين الحين و الحين بتلك الالفاظ القروية التي تثير عجب و سخرية ابناء القاهرة. لذا لم تقوى على الاعتراض و لا حتى التفوه بكلمه عندما امرتني المُدرسة في نفاذ صبر، أن أدخل الفصل ذا الضوضاء المرعبة، الصادرة عن عشرات الملاعين الصغار. تسمرت قدماي في رعب، لكني وضعت على وجهي ذلك القناع المستفز من الاعتراض و الرفض. زجرتني المُدرسة، و عندما رفضت التحرك من مكاني، مدت يدها و دفعتني في ظهري كي اتحرك.
.. و جاءت اللطمة. صفعة صغيرة حاسمة على يد المُدرسة. لا، لم تكن أمي، تلك الموظفة الشابة ذات الأصول الريفية، المُتيبسة في ذلك الوقت.. بل جدتي، ام والدي، نينا حمدية.
عندما استرجع جدتي في ذاكرتي، دائما ما تأتي صورتها في تلك اللحظة المجيدة: كانت قد جاوزت الستين، لكنها لم تزل منتصبة الهامة، فتبدو شامخة ذات رهبة برغم طولها المتوسط، و برغم سنها كانت لا تزال تحتفظ ببشرتها البيضاء الرائقة المُشربة بحمرة، نظرتها ثابتة مهددة، و صوتها آمر
– اياك تمدي ايديك تاني على جمال..
تقهقرت المُدرسة ممتعضة، فامسكت جدتي بيدي الصغيرة و قادتني في تشريفة سلطانية نحو الفصل. ادخلتي، و بجانب طفلة جميلة هادئة، اجلستني. سلطت عيناها القويتين عليّ، قالت تطمأنني و تمدني بمدد من قوتها
– ما تخفش.. خليك راجل. لو حد زعلك او خد حقك، دافع عن نفسك.. ما عرفتش، ترجع تقولي و انا هأجيبهولك.
صحيح انه في ذلك اليوم ضربني أطفال الفصل و سرقوا سندوتشاتي، و طردتني المُدرسة خارج الفصل ثلاث مرات، الا اني لم ابكي او اشعر بالقهر.. فقط انتظرت بفارغ الصبر حتى ميعاد الانصراف، كي اعود إلى تلك المرأة القوية التي ستعيد لي حقي.. نينا حمدية. Continue reading “جمال أحمد جمال – الفصل الثاني”

جمال أحمد جمال – الفصل الأول


كان يوم أربعاء، في الأسبوع الأخير من شهر يناير.. البلاط العاري يشع الصقيع إلى ساقاي و ظهري. اتدثر بثيابي القليلة، انتفض واقفا حتى ابتعد عن مصدر البرودة، ثم اتجول قليلا في الزنزانة، الخالية نسبيا بالنسبة لهذا الوقت من العام. أتطلع في حنق إلى الشباك الحديدي العالي، المتواطئ دوما مع السجانين في اذلالنا و القسو علينا؛ في مرة سابقة – كانت صيفا – كان يضنى بنسمات الهواء فلا نكاد نقدر على التنفس أصلا، اما الأن فيُسلط علينا تيارات الزمهرير القاسية.
تحركت إلى تحت اللمبة المُتربة في سقف الحجرة، موهما نفسي استشعار حرارة ضوئها الباهت الضعيف.
منذ احتجازي هاهنا في حجز القسم، منذ ثلاثة أيام خلت، كنت اراجع نفسي و احاسبها على ما قطعت من طريق خلال سنوات عمري. متسلحا بالآمال العريضة، أخترت طريقا ابتغي فيه النجاح و السعادة، ليس لي وحدي، بل للناس من حولي و للإنسانية كلها. طريق شاق طويل، قطعته مرارا و تكرارا، لكن في كل مرة خضته فيها لم يفضي ابدا إلى النهاية المرجوة.
نعم، كنت ادرك ان أحلامي مُحلقة في عوالم المثالية و الرومانسية، لكني كنت سأقنع بتحقيق و لو قدرا يسيرا منها.. لكن برغم الجهود و التضحيات، لم احقق أي نجاحات، لا كبيرة و لا صغيرة، و لا حتى وهمية. في خلال السنوات القليلة الماضية، أدركت، انا، و من سار في دربي، ان آمالنا لم تكن إلا محض خيالات، و ان المهمة ليست شاقة، بل مستحيلة. لم نحتمل المواجهة جسديا و فكريا، و الأدهى من ذلك، لم نكن جاهزين روحيا و نفسيا و عاطفيا بالقدر الكافي.
Continue reading “جمال أحمد جمال – الفصل الأول”

وغد و أوغاد

البرد قارس قاسي. خصوصا في هذه الساعة المبكرة، و خصوصا علي من جاوزت الخمسين من العمر.

تدثرت في معطفها، مستطلعة مدخل الشارع الذي يهل منه اتوبيس الهيئة في تمام السابعة من كل صباح. لكن بدلا من علبة الصفيح المزمجرة، خرج عليها من الضباب الكثيف ذلك الغريب المثير. طويل ربعة يركض متعثرا في خطواته. يتوقف عند محطة الباص و يستقر مستترا خلف الحاجز الأيمن. فرد ساقه المخضبة بالدماء امامه و هو يأن في صمت. رفع اليها بوجهه الوسيم الملامح. متقطع الأنفاس، همس
– ارجو الا أكون قد اخفتك؟
– مال ساقك؟
– يطاردني بعض الأوغاد.. اطلقوا علي النار.
– يا ربي!
– لا تخافي، ليسوا من الأوغاد الذين تخشينهم. انهم الشرطة.

تناهت الي مسامعها أصوات الراكضون خلفه، و ان حجبهم الضباب عن الرؤية حتي حين.

حدقت فيه مستطلعة امره، فابتسم لها في رقة.
– تبدين امرأة ذات شأن، وجهك جميل و هندامك راقي. البالطو مع الحقيبة و الحذاء، حتي الساعة متناسقون متناغمون. ماذا تفعل امرأة في رقيك على محطة الأتوبيس في هذه الساعة المبكرة من اليوم؟
تجاهلت اطراءه، و ان ارتفعت روحها بعض سنتيمترات فوق الأرض.
– لماذا يطاردونك؟
– انت تعرفين من يطاردون هذه الأيام.

ليس له من لحية شعثاء او زبيبة فوق الجبهة، بل يتألق وجهه بالصدق و الحرية. ان هو الا شاب احمق استدرجته المثالية – من ايمان خرافي بالحق و العدالة – حتي اردته في هذه المحنة.

سحبته من يده.
– قم و تخفي خلف هذه الشجيرات، وراء اللوحة الإعلانية.
اطاعها كطفلها الذي لم تنجبه، و سرعان ما اختفي عن الأنظار.

ان هي الا ثواني معدودة حتي خرج من حجب الضباب امين شرطة مسلح، يتبعه عسكري سقيم. سألاها عن الجريح الهارب، فقالت انه أكمل ركضه الي اخر الشارع.

بعد ما استيقنت ابتعادهما، نادت عليه ليخرج. هتفت به لائمة
– دعك من السياسة و اذاها و التفت الي ما يصلح حالك. اكمل دراستك او ابحث عن عمل يناسبك.
تألق وجهه، لكن بابتسامة ابعد ما تكون عن البراءة و الرجولة.
– شكرا يا تيزة.
اخرج مطواة قرن غزال، و بسطها بحرفية قاطع الطريق المخضرم.
– قوام بقي بالبالطو و الشنطة و الساعة.. و الجزمة كمان.
– و امشي حافية؟
– ان شاء الله تمشي علي دماغك، ما يخصنيش. يالا اخلصي بسرعة.

عبد و عبيد

أوقف النخاس الشركسي فرسه بغتة و دار ليواجه الركب الذي يتبعه: أربعة صبية سود مكبلين في سلسلة حديدية. طرقع الشركسي كرباجه في الهواء ليتوقف الغلمان، متطلعين في رعب و ترقب للعنة القدر عليهم. مرهقين، عطاشي و جوعي، انهار اثنان منهم الي الأرض. بسرعة همّ اليهما بشير، التابع الأسود الذي يساعد الشركسي؛ نغز الصبيين ببندقيته ليقوما واقفين. تنحنح الشركسي و تكلم في فخامة و تعالي.

– بص يا ابني انت و هو، دلوقتي انا هاختار لكل واحد فيكم اسم. تحفظوا اساميكم دي صم، لأنه دي هتكون اساميكم الفترة اللي جاية. بترتيب وقوفكم قدامي: بولس، شاكوريان، اسوسا، و سابورا.

تململ الطفل الثاني في السلسلة، الذي لم يكد يتعدي العاشرة من عمره.
– ليه؟
– عشان اسمائكم أسماء مسلمين يا كلب منك له… العثمانيين ما بيشتروش عبيد مسلمين…
– طب لما هو كده، ليه ما خطفتش عيال من نصاري الحبشة و لا من الكفرة اللي في دارفور او السودان؟

طوح الشركسي كرباجه فأصاب ظهر الغلام.
– بقي عاوزني اروح الحبشة و لا ادخل الأدغال و اعرض حياتي للخطر عشان انت ما يبقاش اسمك شاكوريان… و الله هزلت…

ضحك في سوقية ثم التفت الي بشير، تابعه املس الوجه و مستدير الجسم، و حامل السلاح الناري الوحيد.
– ثم مالها اسوان، وحشة اسوان يا بشير؟

ضحك بشير في شراسة مخلوطة ببلاهة دون رد.

ربت الشركسي علي بطنه في اكتفاء و هو يشاهد الغلام المتمرد يتلوي من الألم، لا يستطيع ان يهرش الجزء المضروب لأن يديه مكبلتان.
– ثم ما تخافوش… العثمانيين هيدخلوكوا مدرسة العبيد و هناك هيحولكوا مسلمين تاني، فمفيش مشكلة… ثم هي مسألة وقت مش اكتر و بعدين تدخلوا في خدمة القصر و بعدها يا سعدكم يا هناكم. صدقوني، انتوا اللي هتدورا عليا عشان تشكروني علي الجميلة اللي عملتها فيكوا، صح و لا ايه يا بشير…
– ايوه يا بك… ده جميل لا يمكن حد ينساه ليك ابدا…

التفت اكبر الأطفال سنا و اضخمهم جسما، و اول المربوطين في السلسلة، الي التابع متسائلا في خوف
– طب و انت مش في القصر دلوقتي ليه؟

أشار بشير الي وجهه الذي جعدته و شوهته اثار مرض قديم…
– زي ما انت شايف شكلي ما عجبهمش. كنت بخوف حريم السلطان…

ثم ضحك في بلاهة من جديد… خفض الغلام الأكبر رأسه مبديا اقتناعه و رضوخه.

استدار الشركسي بفرسه متخذا وجهته الي الشمال مرة اخري
– احنا دلوقتي داخلين علي المنيا… دي بلد كبيرة شوية، و هناك ممكن قوي نقابل حد من المماليك او من العساكر الأنكشاريين… احفظوا اسماءكم كويس… مش عايز حد يلخبط و يعملنا مشاكل مع الأتراك…

بعد التقدم عدة امتار للأمام افتقد الشركسي صوت الخطوات وراءه، فتطلع خلفه في دهشة: كان الغلام الأكبر الأضخم يحاول التقدم، لكن الصبي التالي، المتمرد الذي ضرب بالكرباج، كان ثابتا في مكانه كالصخرة، مانعا الطابور من التقدم. كان الصبيان الذين يتلوانه يدفعانه للتقدم و الذعر بادي في عيونهما. لكن الغلام المتمرد لم يتحرك.
– انت واقف ليه يا ابن الحرام؟
– عشان مش هأغير اسمي و مش هاكمل في الرحلة دي…
– يبقي هتموت هنا يا ابن الحرام…

تقدم الشركسي بفرسه، ثم طوح بالكرباج الي وجه الغلام و رقبته. رفع الصبي المتمرد يديه المكبلة بالحديد في عزم و امسك الكرباج و جذبه في قوة. في مشهد سريالي، سقط الشركسي علي الأرض ليدق عنقه و يموت في الحال.

استمر ذهول الجميع لبضعة لحظات ثم اتجهت انظارهم الي بشير.

هم أربعة أطفال مكبلين، و هو شخص بالغ يحمل بندقية. لكن، حتي لو كان بشير احد الأنكشاريين المدربيين بعناية علي استخدام البنادق، لما كان بوسعه الأجهاز علي الصبية اجمعين، فالبندقية وحيدة الطلقة و تستغرق وقت لأعادة ملئها، إضافة الي حقيقة انه ضعيف البنية بشكل ملحوظ.

تقهقر بشير، ممسكا سلاحه في خوف و تردد، مبتسما في سذاجته المعهودة، و محاولا استرداد رباط جأشه
– الحمدلله… اهو كلب و راح… دا كان ملعون، ربنا يجحمه في جهنم… ما تخافوش انا معاكم، مش ضدكم… انا هأساعدكم تروحوا بيوتكوا… انا حافظ الطريق صم…

كشر الغلام المتمرد
– انا مش مصدقك… انت كذاب و زيك زيه… يالا بينا يا جماعة نجهز عليه…

نظر اليه الصبي الأكبر مستهزأ
– انت مش شايف البندقية اللي علي كتفه…
– لو هجمنا دلوقت مش هيلحق يضرب اكتر من طلقة واحدة… انا مستعد اخد الطلقة في صدري، بس نهجم دلوقت…

تجاهل الصبية نداءه. لكن، و متشجعا بالتقهقر الواضح علي بشير، تقدم الغلام الأكبر من جثة الشركسي و اخرج سلسلة المفاتيح و فك نفسه من السلسلة. بخبث، كسر سن المفتاح قبل ان يناوله للغلام الذي يليه، الغلام المتمرد.

لم يستطع أي من الغلمان المتبقين ان يفك اسره؛ لكن بناءا علي اقتراح بشير، لم يكن عليهم سوا الانتظار حتي وصولهم الي محطتهم التالية… المنيا. نظر الغلام المتمرد اليه في غضب ممزوج بالشك…
– ايه؟ هو انت مش هترجعنا لبلدنا في اسوان؟
– ايوه طبعا يا ابني… بس بالمشي علي الرجلين قدامنا كتير… احنا نوصل المنيا و من هناك ناخد مركب و نطلع علي اسوان في ربع الوقت…
– مش مصدقك… شكلك هتضحك علينا…
– ليه يا ابني… هو انت فاكرني ايه؟ نخاس زيه؟ لا، ابدا… انا بس كنت عبد المأمور لا اكتر و لا اقل… واحد بياكل لقمة عيش…
– كلكم اشرار…

هز بشير رأسه متألما في اسي، في حين تدخل الغلام الأكبر
– حرام عليك يا اخي… انت دخلت جوا نوايا الناس…

Continue reading “عبد و عبيد”