الحرب الأهلية الإنجليزية: الحلقة الثالثة – الملك شارلز الأول و البرلمانيون

Play

شارلز، اللي هيبقي بعد كده الملك شارلز الأول، ماكنش المفترض انه يكون ولي عهد، لأنه الابن التاني للملك جيمس الأول، و بالتالي ماكنش بيتم تربيته و تنشئته على اعتباره الملك المقبل. عشان كده كان متساب في حاله يعيش زي ما هو عايز، و اللي هي حياة منعزلة بشكل كبير. لغاية ما أخوه الأكبر مات فجأة و لقي نفسه ولي العهد، و من بعد وفاة والده، بقي شارلز ملك على عرشين لبلدين مختلفين عن بعض: مملكة إنجلترا و من ضمنها ويلز و ايرلندا، و مملكة اسكتلندا.

الملك شارلز الأول – ملك انجلترا و اسكتلندا إبان الحرب الأهلية

و بفضل شخصيته الانعزالية، شارلز الأول ما كنش ليه أصدقاء كتير من طبقة الارستقراطيين و النبلاء، لكن اللي كان صديق ليه منهم كان بيقف في صفه و يساعده و ينصره لأبعد الحدود، و ده اللي بيخلي اصدقاءه المعدودين دول يخالفوا القانون بأريحية، و يتمادوا في تجاوزتهم من غير أي اعتبار لا للقانون و لا لطبقة النبلاء. و ده طبعا ادي لاستعداء البرلمانيين الانجليز اللي بينتموا أصلا للطبقة دي. تصرفات الملك المتعالية و تصرفات افراد حظوته المتمادية في مخالفة القانون، إضافة للتاريخ الشائك ما بين الملك و البرلمان من ساعة ما رفضوا جوازه من الأميرة الاسبانية، خلت العلاقة ما بين الملك و طبقة النبلاء اللي بتكون البرلمان علاقة غير ودية من البداية و لحد النهاية المأساوية. كل طرف متربض بالتاني. فضل الملك الشاب شارلز الأول يستدعي برلمان وراء التاني على امل انه يكون مهاود معاه في موضوع الضرايب. و برغم تغيير كتير من أعضاء البرلمان في كل مرة، كان كل واحد بيطلع اشد و اكثر تعصبا من اللي قبليه، لغاية ما قرر شارلز الأول انه يحل البرلمان و ما يدعيش أي برلمان تاني لفترة طويلة، وصلت لحداشر سنة، في ما يطلق عليه “فترة الحكم الشخصي” للملك، اللي هي بتعبيراتنا دلوقت، فترة حكم دكتاتوري. و في الفترة دي اضطر الملك الشاب انه ما ينخرطش في أي حروب او أي نشاط يحتاج تمويل كبير، فعقد السلام ما بينه و ما بين فرنسا و اسبانيا، و بكده أبعد إنجلترا و اسكتلندا بدرجة كبيرة عن الحرب الطاحنة في اوروبا في الوقت ده، اللي هي حرب الثلاتين عام، و اللي اندلعت في الفترة ما بين 1618 – 1648.




المهم الملك، شارلز الأول، المتغاظ من البرلمان، كان لازم برضه يلاقي طريقة يلم بيها فلوس عشان مايبقاش قاعد كده مقصوص الجناحين، فبدأ يلجأ لطرق ملتوية لجمع الأموال. مثلا: اللي هيتم تنصيبه و حصوله على لقب من النبلاء لازم يدفع رسم تنصيب، و اللي مش عاوز يحصل على اللقب، يدفع غرامة انه رفض يحضر قدام الملك. المدن الساحلية كانت بتدفع رسم حماية للقوات البحرية، لأ مش كفاية، لأن القوات البحرية بتحمي البلد كلها، يبقي كل المدن تدفع.. و هلم جرا.

كتير من طبقة النبلاء اتمردوا على الملك و قراراته، بل و البعض منهم جاهروا بعدم قانونيتها، لأنها جباية ضرايب، و دي وظيفة البرلمان و هو المفروض اللي بيقوم بيها. لكن الملك ما كنش بيتراجع، و اللي كان بيرفض يدفع كان بيحاكمه و يعاقبه او يسجنه. فضل الحال كده فترة طويلة ، لغاية ما جت زي ما بيقولوا القشة اللي قصمت ظهر البعير. و القشة دي ماكنتش من ناحية صراع الملك مع البرلمانيين الانجليز. كانت من مكان محدش حاطه في الاعتبار خالص. من الشمال، من اسكتلندا.
عشان نفهم موضوع اسكتلندا ده، خلينا نرجع تاني سريعا لموضوع الإصلاح الديني، او البروتستانتي اللي اتكلمنا عليه في البداية. رياح الاصلاح الكنسي زي ما قلنا وصلت أماكن كتير في اروبا، و كان منها طبعا إنجلترا و اسكتلندا. لكن زي حاجات كتير، درجة اعتناق الفكر بتتراوح من مكان لمكان و من شخص لشخص، و ساعات التماهي مع الفكر و اعتناقه بيوصل لدرجات، المصلحين الأصليين ما كنوش يتحلموا بيها و بيدعوا لها أصلا. يعني مثلا في بداية حركة الإصلاح الكنسي، كانت الدعوات بالأساس لالغاء سكوك الغفران، اللي بيتم شراءها بالمال، و النفوذ الطاغي داخل السلطة الهرمية داخل الكنيسة، إضافة لمواضيع اخري زي التعظيم الكبير لشخصيات بيتم إضفاء عليهم صفة القداسة. لكن حركة الإصلاح في بعض الأماكن بعد اقل من 100 سنة كانت مبادئها راديكالية اكتر و التغييرات اللي احدثتها اكبر بكتير من المتوقع.. كتير من اتباع حركة الإصلاح الديني كانوا كتابيين، متبعين لنصوص الانجيل بحذافيرها، و مُحرمين لكتير من رموز و طقوس الكاثوليكية اللي ملهاش نص واضح في الكتاب المقدس. اشهر الاتباع دول طبعا كانت حركة البيوريتانز او التطهيريين الانجليز، و دول جماعة مهمة جدا في تاريخ بريطانيا و أمريكا من بعد كده، و في اسكتلندا جماعة الكوفنتترز Covenanters اللي هتنشأ في الحدث التاريخي اللي دخلين عليه دلوقت.
في إنجلترا حركة الإصلاح الديني و تأثيرها بين افراد الشعب كانت اكبر بكتير من تأثيرها على الكنيسة الإنجليزية الرسمية الخاضعة للعرش، و اللي رغم اعتنقها المذهب البروتستانتي صراحة، الا ان تشكيلها كان لسه قريب جدا من تشكيل الكنيسة الكاثوليكية. الكنيسة الاسكتلندية حصلت لها تغييرات اكبر بكتير من مثيلتها الإنجليزية، و ده بعد صراعات كتيرة حصلت في أواخر القرن السادس عشر، خلت الكنسية الاسكتلندية خليط من المذهب الكلفيني (علي طريقة المصلح البروتستانتي الفرنسي John Calvin) و المذهب الاسقفي Episcopal، و اللي هيندفع اكتر بعد كده للمذهب المشيخي Presbyetrian. و نتيجة الاختلافات الجوهرية بين الكنيسة الإنجليزية و الكنيسة الاسكتلندية كان، كما المتوقع، لكل كنيسة منهم كتاب صلوات و شعائر خاص بيها، مختلف عن الكنيسة التانية.
تبدأ المشاكل كلها، لما الملك شارلز الأول، و بناء على طلب من صديقه، كبير أساقفة كانتربري عام 1637، يقرر توحيد الكنيسة الإنجليزية و الاسكتلندية في العقيدة و الشعائر. و كانت الخطوة الاولي هي فرض كتاب الصلوات Book of Common Prayer على الطريقة الانجيلية الانجليزية، على كل الكنائس الاسكتلندية. المصلين الاسكتلنديين هاجوا و قامت الثورة في طول البلاد و عرضها، و اتجمع المعارضون لقرار الملك عشان يشكلوا ما يطلق عليهم بالـCovenanters. و بتصلب موقف العرش تجاه قراره و اظهار نيته قمع التمرد، تدهورت الأمور بسرعة، و بدأ الكوفننترز في تجهيز جيش للدفاع عن اسكتلندا.
و هنا قرر الملك مرغما على استدعاء البرلمان الإنجليزي مرة أخرى. الراجل كان عاوز فلوس بسرعة عشان يكوّن جيش قوي يردع بيه المتمردين الاسكتلنديين.
كان فيه مشكلتين للملك. الأولي هي ان طبقة النبلاء ما كنتش طايقاه بعد حكمه الدكتاتوري طوال الـ11 سنة اللي فاتت، و الحاجة التانية، ان كتير منهم كان من طائفة البيوريتان، و اللي قريبيين مذهبيا من الاسكتلنديين المتمردين، و بالتالي متعاطفين معاهم اكتر من الملك نفسه. البرلمان انعقد، لكنه ضرب بكل امال الملك عرض الحائط، و ربط جمع الضرائب لخوض الحرب، بتحقيق الملك لكل طلبات البرلمان، و اللي طلع سقفها اعلى بكتير من مطالبات البرلمانات السابقة. شارلز اتنرفز، و قال ان البلد في حالة حرب و ان طلبات البرلمان إهانة للملك، و قوام راح حالل البرلمان اللي ما تمش 3 أسابيع، و اللي مشهور تاريخيا باسم البرلمان القصير The Short Parliament.
و من غير دعم البرلمان، الملك لمّ جيشه و هجم على الاسكتلنديين عشان يتلقى هزيمة كاسحة، بل ان الاسكتلنديين كملوا طريقهم و بدأوا في غزو إنجلترا نفسها، لكن من غير استفزاز المواطنين و من غير تدمير او استيلاء على الممتلكات. و المثير لحنق الملك و اتباعه ان بالفعل ما كنش فيه أي معارضة شعبية لغزو الاسكتلنديين. مش كده و بس، الاسكتلنديين طالبوا الملك بدفع تكاليف يومية 850 جنيه عشان ما يكملوش تقدمهم للداخل الإنجليزي و عشان ما يدمروش المنشأت.
و بكده وضع الملك المالي ازداد صعوبة.
و برغم انفه، استدعي الملك البرلمان مرة تاني في نوفمبر عام 1640. لكن البرلمان ده على عكس اللي سبقه تماما، اسمه البرلمان الطويل The Long Parliament، و مش هيتحل قبل عام 1660، و ساعتها هيكون الملك شارلز الأول مات و شبع موت. أسف، قصدي اتعدم و شبع اعدام.

برلمان نوفمبر 1640، او البرلمان الطويل طلع عدائي تجاه الملك اكتر من البرلمان اللي سبقه. ففور انعقاده، بدأ على طول في مناقشة اعتراضات النبلاء تجاه الملك و رجال حاشيته، بل و سنوا حزمة من القوانين المعادية للملك. أولها قانون يتطلب انعقاد البرلمان كل 3 سنوات على الأقل، حتي بدون استدعاء من الملك اذا اقتضي الأمر، و قانون ينص صراحة بعدم قانونية فرض الملك لضرائب جديدة دون موافقة البرلمان، و قانون لاتاحة الفرصة للبرلمان لمراقبة عمل وزراء الملك، و أخيرا الضربة القاضية و هي اصدار قانون يحرم الملك من حل البرلمان دون موافقته، حتي لو التلات سنين خلصت، إضافة للعديد من المناقشات النارية اللي بتهاجم الأساقفة و التركيب الاسقفي للكنسية الانجليزية. و عشان يعني ما يبانش ان فيه خروج على الملك، اشترط البرلمان على كل الأعضاء حلف يمين الولاء للملك شارلز الأول.
لكن من كل القرارات و القوانين الكارثية اللي أصدرها البرلمان، واحد منهم بالنسبة للملك كان اشنع و افظع من الباقي: قرار البرلمان بإدانة ايرل سترافورد، صديق الملك المقرب، بالخيانة العظمى لأنه حرض الملك على أعضاء البرلمان باقتراحه سحب الجيش من ايرلندا و استخدامه في تأديب البرلمانيين. و قرار الإدانة ده كان مشفوع بتسريب من مكتب مستشاري الملك الخصوصيين، متضمنا خطاب ايرل سترافورد اللي فيه تفاصيل اقتراحه على الملك. و لأن الملك زي ما قلنا كان مخلص جدا لأصدقائه، رفض بشدة محاكمة صاحبه، بل و حاول يهربه من محبسه، لكن الخطة انكشفت، و الضغط زاد على الملك عشان يمضي على قرار الإدانة. و أخيرا، تحت وطأة الخوف على سلامته الشخصية و سلامة عائلته، و بعد طلب شخصي من ايرل سترافورد ذات نفسه للملك، درءً للحرب الاهلية، مضي الملك قرار الإدانة و تم اعدام ايرل سترافورد، صديق الملك و رجله الاقوى في القصر و الجيش.
لكن اعدام سترافورد بدل ما يهدئ الأمور، العكس هو اللي حصل. الملك احس بالندم الشديد على قتل صاحبه، و زاد حنقه على البرلمانيين. و في وسط الاحتقان ده كله، الأمور ولعت اكتر باندلاع الثورة في ايرلندا. الايرلنديين الكاثوليك و وسط متابعتهم لعلو كعب البروتستانت البيوريتان في البرلمان و هزائم الملك المتكررة امامهم، خافوا من طغيان البروتستانتية و اندفاع المد و السطوة البروتستانتية على ايرلندا. و فعلا اندلعت الثورة و سرعان من سيطر الكاثوليك الايرلنديين على مناطق كتيرة من جزيرة ايرلندا. طبعا وسط كل اللي بيحصل ده انتشرت الشائعات ان اللي وراء كل اللي بيحصل ده هو الملك نفسه.. انه اتحالف مع الكاثوليك الايرلنديين و امرهم بالتمرد و في نفس الوقت امر الجيش بالانسحاب. كل ده عشان تطور الأمور في ايرلندا يخلي الرأي العام يضغط على البرلمان، فيضطروا يتساهلوا في منح الملك صلاحيات جمع أموال الضرائب، لأجل إقامة و تسليح جيش لقمع التمرد في ايرلندا.
بس البرلمانيين البوريتان قالوا انهم مش عبط.. الجيش اللي الملك هيكونه بفلوسهم، هيكون لقمعهم هم اول ناس. و لما الأخبار وصلت للملك بموقف البرلمان المتحجر و الشائعات اللي بيطلقوا عليه، جمع 400 جندي و هجم على البرلمان عشان يقبض على قادة العصيان ضده. لكن لسوء حظه، الأنباء كانت اتسربت لهم و كانوا هربوا قبل ما يوصل. و طبعا بقيامه بالحركة الغبية دي، الملك كشف فعلا عن نيته السوداء تجاه البرلمانيين البيوريتان. و بالفعل الشارع تأجج و الرأي العام انقلب ضد الملك.
بعد أيام قليلة، ترك الملك و عائلته لندن خوفا على حياتهم من هياج الشارع ضد العرش، و اتجه لشمال إنجلترا، اللي قوة المنشورات و الخطب السياسية للبرلمانيين ما كنتش وصلت لها و لا اثرت فيها زي لندن و المدن الكبيرة. و على طول بدأ يحشد لتجميع جيش من أنصاره و في تأمين مواقعه، و في نفس الوقت بدأ البرلمان برضه في حشد أنصاره في تجميع عدة جيوش صغيرة في مختلف المدن و عقد التحالفات مع الاسكتلنديين. الأحداث دي بدأت في أوائل يناير 1642. في الصيف بدأت المناوشات بين الطرفين، و في أكتوبر بدأت أول معركة كبيرة.




Facebook Comments