الحرب الأهلية الإنجليزية: الحلقة الرابعة – الكومنولث و المحمية (البروتكتوريت) الإنجليزية

Play

 

الحرب الأهلية الإنجليزية اندلعت في 1642، و انتهت 1651، لكن بيتم تقسيمها لتلات مراحل او تلات حروب أهلية: الأولي من 1642 -1646، و التانية 1648-1649 و التالتة 1649-1651.

في بدايات الحرب الأهلية الأولي و لفترة كبيرة نسبيا – من 1642 لـ 1645 – كانت المعارك غير حاسمة.. كل

القائد العسكري و اللورد بروتكتور: اوليفر كرومويل

مرة طرف بيكسب، لكن الانتصارات في المعارك كانت بتبقي غير مكتملة لانعدام خبرة جيوش الطرفين و لقلة التنسيق بين القوات، لحد ما البرلمان عام 1645 اصدر مرسوم بتوحيد كل قواته تحت قيادة مشتركة في جيش جديد، اسمه الـ New Model Army تحت قيادة اللورد جنرال السير توماس فيرفاكس، و تحتيه مباشرة، القائد و الشخصية الأشهر في الفترة دي كلها، الجنرال أولفير كرومويل. و تحت التنظيم الجديد الموحد، ابتدت انتصارات جيش البرلمانيين تكون اكبر و تبقي حاسمة اكتر، و في صيف نفس السنة، تم تدمير جيش انصار الملك شارلز في معركتي ناسبي Naseby و لانجبورت Langport. حاول الملك يجمع شتات جيشه مرة تانية، لكنه فشل، و في الأخر لجأ للاسكتلنديين طلبا للحماية، لكنهم بعد فترة بسيطة سلموه لقوات البرلمانيين، ليتم حبسه، و بكده تنتهي الحرب الأهلية الأولي عام 1646.

لكن بعد انتهاء المعارك، و اثناء انشغال البرلمانيين بالتفكير في كيفية تسيير الأمور، استغل الملك انشغالهم عنه، و قدر يهرب، و انه يعيد اتصاله بالاسكتلنديين. و بناء على اتفاق بينهم في ديسمبر 1647، وعد الاسكتلنديين بغزو انجلترا و إعادة شارلز الأول على العرش و استعادة سلطاته مقابل اصلاح الكنيسة الاسكتلندية على الطريقة المشيخية الـPresbyterian.




 و بالفعل، بالتنسيق ما بين الملك و أنصاره على الأرض،  بدأت المظاهرات و الاحتجاجات تندلع فجأة في مناطق إنجلترا و ويلز المتعاطفة مع الملك، و تزامن معها غزو الاسكتلنديين في صيف 1648، إضافة لتمرد بعض قوات البرلمان اللي مقبضتش مرتباتها و اللي انقلبوا لصف الملك. لكن البرلمانيين لموا شتات امرهم بسرعة، و سلطوا على القوات المتمردة بطلهم المخضرم و الحاسم جدا، أوليفر كرومويل، عشان يأدبهم، في حين اتجه القائد العام، اللورد جنيرال فيرفاكس لقمع العصيان. بعد كده اتجه كرومويل لصد الغزو الاسكتلندي، و بالفعل هزم قوات انصار الملك و الاسكتلنديين هزيمة ساحقة أنهت الحرب الأهلية الإنجليزية التانية.

و هنا تبدأ ازمة اكبر من كل اللي فات.

بعد انهزام قوات الملك في نهاية الحرب الاهلية الأولي، وافق البرلمانيين على منح  الملك و اتباعه العفو الكامل، في مقابل وعد بعدم حمل السلاح عليهم مرة تانية. عشان كده، كل من حمل السلاح من انصار الملك في الحرب الاهلية التانية ما اتسامحش، و تم اعدامهم كلهم بلا رحمة. المشكلة الكبرى كانت في الملك ذات نفسه. و على المشكلة دي تحديدا، انقسم البرلمانيين، بل و الجيش، على انفسهم. فريق شاف ان الملك رمز الدولة و المؤسسة الدينية، و ما ينفعش محاكمته بتهمة الخيانة، ناهيك عن اعدامه، و يجب الاكتفاء بحبسه، و منعه من ممارسة صلاحياته. و اهم انصار الرأي ده كان قائد قوات البرلمان، اللورد جنرال، السير توماس فيرفاكس.

الفريق التاني، و اللي اتزعمه أوليفر كرومويل (و غالبيتهم من البيوريتان المتشددين) ما اتسامحوش مع خيانة الملك ليهم و نكوثه عن عهده. و بفضل تألق كرومويل في البرلمان و نشاطه السياسي الواسع، إضافة طبعا لانجازاته العسكرية الحاسمة، قدر يفرض رأيه و يجيش وراء الغالبية العظمي من الجنود. و بالفعل، تم حصار البرلمان، و اقصاء كل أعضاءه من المتعاطفين مع الملك، و اللي اتبقي من أعضاء البرلمان الطويل، اصبحوا ما يسمي بالبرلمان الرديف، او الـ Rump Parliament. و بالفعل تم محاكمة الملك شارلز الأول و إعدامه في 30 يناير 1649، عشان يكون اول ملك انجليزي يتم اعدامه. و تحت تأثير كل اللي حصل، السير فيرفاكس استقال من قيادة الجيش و انسحب من المشهد برمته، عشان نائبه اوليفر كرومويل يبقي هو قائد الجيش، و يبدأ نجمه في الصعود اكتر و اكتر.

بعد اعدام الملك تم انشاء نظام جمهوري، تحت ما يسمي بالكومنولث الإنجليزي تحت قيادة مجلس الدولة Council of State، المنبثق من الRump Parliament.

لكن الموضوع ما خلصش على كده، لأن بعد اعدام الملك شارلز الأول، أنصاره اتجمعوا حولين اكبر أبناءه، اللي اسمه شارلز برضه.. برلمان اسكتلندا اعلن ولاءه ليه في 9 فبراير 1649، و البقية الباقية من الملكيين الانجليز قاموا بتتويجه علنا في 17 فبراير 1649 في جزيرة صغيرة اسمها سانت هيلير، احدي جزر القنال الإنجليزي، عشان يبقي الملك شارلز التاني. الملك الجديد سرعان ما يخطب ود الكوفيننترز الاسكتلنديين (اكتر من اتباعه من الملكيين الانجليز) و يخضع لهم بالكامل، و يرضي بطلبهم بارساء البروتسانتية المشيخية – الـ Presbyteranian – في اسكتلندا، بل و كمان في إنجلترا لما ينتصروا على البرلمانيين الانجليز و يرجعوه على عرش إنجلترا. و طبعا برضه كان من انصار الملك الجديد، الكاثوليك الايرلنديين المُسيطرين على الجزيرة من ساعة التمرد اللي كان من اهم أسباب نشوء الحرب الأهلية الأولي.

و تبدأ الحرب الأهلية التالتة علطول، لكن جيش البرلمانيين بقيادة كرومويل بقي مدرب بشكل افضل و عنده خبرة اكبر، كمان بقوا اشد قسوة و ضراوة. بداية الحرب كانت في ايرلندا، كرومويل اتجه بجيشه هناك عشان يقمع التمرد، و بالفعل قدر يسيطر على الجزيرة، لكن بوحشية كبيرة، و ارتكب جرائم ضد الايرلنديين، تعتبر من اهم أسباب العداء الايرلندي الإنجليزي، الكاثوليكي البروتستاني على الجزيرة، و المستحكم لحد دلوقت. بعد كده، البرلمان استدعى كرومويل لصد غزو الاسكتلنديين بقيادة شارلز التاني. لكن المرة دي، كان الرأي العام على غير ما كان وقت غزو الاسكتلنديين عام 1642، ساعتها كان الكوفنينترز المقهورين دينيا بيردوا على اضطهاد الملك شارلز الأول الظالم، و ساعتها الانجليز البروتستانت كانوا متعاطفين معاهم. لكن المرة دي الموضوع مختلف، أولا الاسكتلنديين انقلبوا و بقوا متحالفين مع الملك اللي كان ظلمهم، و دلوقتي جايين مع ابنه عشان يغزو إنجلترا. و بواسطة الألة الإعلامية المتمثلة في المنشورات، اشتعلت مشاعر الكراهية القديمة بين الانجليز و الاسكتلنديين، و تحولت المعركة من صراع له ابعاد دينية، إلى حرب قومية انجلو-اسكتلندية. و بفضل التأييد الشعبي الكبير لجيش البرلمانيين و ارتفاع معنوياته، إضافة لخبرة كرومويل العسكرية الكبيرة، تم دحر الجيش الاسكتلندي، بل و عبر بجيشه الي داخل اسكتلندا، و وصل لأدنبره، العاصمة الاسكتلندية، و هزم قوات الاسكتلنديين هزيمة كاملة. لكن الملك شارلز التاني كان فاكر انه محضر مفاجأة للبرلمانيين، و هو تجميعه جيش اخر من البقية الباقية من الملكيين الانجليز و قيامه بغزو إنجلترا، مستغلا انشغال و استهلاك جيش كرومويل في الشمال في اسكتلندا. لكن المفاجأة هي ان البرلمان عرف بتحركات الملك الشاب، و قام باستدعاء المليشيات الشعبية، و قام بتسليحها و ارسالها لصد هجوم الملك، و سرعان ما وصلت امدادات قوات كرومويل و تم القضاء على الجيش الملكي.

و بكده تنتهي الحرب الاهلية الإنجليزية بكل مراحلها.

بيتم إقامة حكم عسكري في اسكتلندا، و بيتم قهر الاسكتلنديين بالغاء برلمانهم عقابا على محاولة غزو إنجلترا مرتين، و بيضم بعض ممثليها لبرلمان إنجلترا توطئة للاتحاد بين الدولتين.

لكن بعد فشل البرلمان في التوصل لصياغة دستور لتسيير أمور البلاد، اتدخل كرومويل بفضل الجيش و تم حل البرلمان، و انتخاب برلمان جديد، قام كرومويل و الجيش بالتدخل في اختيار اعضاءه، لكن برضه البرلمان ده ما اتيحتش له الفرصة، و قام مجلس الدولة Council of State (و اللي هو الذراع التنفيذي للبرلمان و اللي بيدير الدولة) و المُسيطر عليه من الجيش، باختيار اوليفر كرومويل كحاكم مطلق للبلاد، تحت مسمي الـ Lord Protector.

و بالفعل سادت السيطرة لاوليفر كرومويل من ساعة تنصيبه عام 1653 و حتى وفاته عام 1658. بعد وفاته تم اختيار ابنه ريتشارد لخلافته، لكن الابن ماكنش بقوة و لا سيطرة الاب، و سرعان ما عمت الفوضى، و احتدم النزاع و تم حل برلمان الـProtectorate و عودة الـRump Parliament اللي حله كرومويل، و سادت أجواء الحرب الأهلية مرة تانية، بانقسام البلاد بين المنادين باستمرار نظام الحكم في البلاد كمحمية Protectorate، و بين عودة الملكية، و هنا كان العامل الحاسم هو البطل القديم لجيش البرلمانيين و الزاهد في الحكم، السير توماس فيرفاكس، و اللي انضم لصفوف المناديين بعودة الملكية، و هنا الاغلبية من العسكريين و النبلاء انضموا لصف قائدهم السابق فيرفاكس، و بالفعل يرجع الملك شارلز التاني من الخارج، و يتم تتويجه، عشان ترجع الملكية لانجلترا مرة تانية عام 1660.

بيتم التخلص السريع من كل اثار الفترة السابقة، و اللي سيطر عليها الفكر البيوريتاني: من منع الاحتفال بالاعياد زي الكريسماس، و منع ممارسة الفنون المتحررة زي المسرح و غيره، إضافة لتطبيق الJ Sabbath بحذافيره، من منع لكل نشاط يوم الاحد و حصره على العبادة فقط. بعد عودة الملكية كان فيه موجة من التنكيل بانصار و نجوم الفترة السابقة، موجة وصلت لحد نبش قبر اوليفر كرومويل و اخراج جثته و شنقها و قطع راسها و تعليقها على رمح، امام العامة في نفس مكان شنق الملك. اما الابن توماس كرومويل، فترك البلاد لفترة طويلة في سفريات عبر أوروبا و هو متخفي، و ما رجعش إنجلترا غير بعد ما سيرته و سيرة والده كانت اتنست.

بعد سنين مش طويلة قوي، تحديدا في 1688 و 1689، هتكون إنجلترا على موعد مع الثورة المجيدة، The Glorious Revolution، و اللي هتكون الخطوة الأخيرة من التغيير السياسي الشامل اللي بدأ مع الحرب الاهلية. ساعتها، الملك هو جيمس التاني، ابن الملك شارلز الأول اللي الحرب حصلت في عهده، و اخو الملك شارلز التاني، اللي استعاد العرش عام 1660. الملك جيمس التاني كان معتنق الكاثوليكية زي والدته الفرنسية، و بالتالي الدولة كانت متسامحة دينيا مع المواطنين و الممارسات الكاثوليكية، إضافة لارتباط الملك بعلاقات قوية مع فرنسا الكاثوليكية. لكن بنتينه كانوا بروتستانت مخلصيين، خصوصا بنته ماري ولية العهد و زوجها وليم التالت، ستاتهاودر (حاكم) هولندا، فالبرلمان الإنجليزي في الوقت ده (و اللي زيه زي الشعب، ذو اغلبية بروتستانتية غالبة) كان ساكت و صابر لحد اما جيمس التاني يموت. لكن بعد انجاب جيمس التاني لطفل ذكر من زوجة كاثوليكية، و استباقا للمشاكل اللي ممكن تحصل، قام البرلمان الإنجليزي، اللي خلاص اتعود على القوة و السلطة، بالتحالف مع وليم التالت، امير سلالة بيت أورنج و حاكم هولندا، و زوج ماري بنت الملك. و بناء عليه قامت حملة من جيش هولندي باحتلال إنجلترا دون مقاومة و تم خلع الملك شارلز التاني، و قام البرلمان بتنصيب الملكة ماري مع وليم التالت كملوك لانجلترا، لكن بعد اتفاق تاريخي، بموجبه تم اطلاق قانون الحقوق عام 1689، و اللي كان الخطوة الأخيرة في إرساء الشكل السياسي للحكم في إنجلترا و اللي موجود لحد دلوقت، الا و هو الملكية الدستورية، و اللي بفضلها أصبحت السلطة في ايد الافراد المنتخبين من الشعب.




Facebook Comments