و عادت فريدة

لم تكن الساعة قد جاوزت الثامنة مساء، عندما استأذن المساعد في الانصراف مبكرا. لم يمانع آدم برادلي، صاحب متجر “ميوسيس” للكتب النادرة بوسط مدينة باريس، برغم انشغاله في مطالعة أحدث مقتنياته: كتاب عربي، مطبوع أواسط القرن التاسع عشر، لدبلوماسي عربي متقاعد خدم في الخارجية العثمانية في طورها القديم (عندما لم تكن وزارة بالأساس؛ قبل تحولها إلى النمط الغربي بفضل قانون ’التنظيمات‘، عام 1836). أخذ الكتاب و نزل من مكتبه الوثير بالدور العلوي، ليحل مكان مساعده في مساعدة الزبائن و أمام ماكينة الكاشير.
كان يقرأ الكتاب في لغته الأصلية، فآدم برادلي، برغم كونه أمريكي الأصل، إلا أنه تربى في الشرق العربي لفترة معتبرة من طفولته. عشق آدم اللغات الشرقية فالتحق بكلية الدراسات الشرقية بأكسفورد، ليدرس العربية و الفارسية و التركية، ثم انتقل إلى باريس، ليعمل بعض الوقت في دار نشر مهتمة بترجمة الأعمال من العربية إلى اللغات الأوروبية، لكنه سرعان ما ملّ العمل تحت إمرة الآخرين، فاستقال و أنشأ تجارته الحالية.
لم يقطع انغماسه في الكتاب سوى زبونين، كانا يعرفان مبتغاهما فلم يضيعا وقته كثيرا. دقت ساعة المكتبة معلنة العاشرة؛ تبقّت صفحتان حتى ينهي المقطع الذي يقرأه، بعدها سيطفئ الأنوار و..
انفتح باب المكتبة و دخل زبون جديد. دون أن يرفع رأسه عن الكتاب، هتف
– معذرة، لقد أنهينا العمل لهذا اليوم.. يسرنا استقبالكم غدا من الساعة العاشرة صباحا حتى العاشرة مساء.


– كيف حالك يا دبدوب؟
..الكُنية التي لا يعرفها غيرها و الصوت الأنثوي بذات الرقة و الغنج القديم. قفزت عيناه من الكتاب إلى المرأة التي قطعت عليه خلوته. امرأة عربية ترتدي ملابس محتشمة و تغطي رأسها بحجاب زاهي الألوان.
– فريدة!
كان ظهور المرأة مذهلا بالنسبة لآدم. ابتسمت المرأة في حنان و نطقت بلكنة أمريكية خالصة
– كيف حالك يا آدم؟
– أين كنتِ طوال تلك السنين؟
كانت فريدة زوجته في زمن سحيق كادت تنمحي ذكرياته.
– آوه يا آدم، كانت سنوات صاخبة و مليئة الأحداث.
– كيف هانا؟
هانا ابنتهما—ابنة آدم الوحيدة. منذ اختفاء فريدة المفاجئ منذ اثنتي عشرة سنة، لم ير آدم ابنته و لو لمرة واحدة. بل، لم يكن يعرف عنها أي شيء.
– هانا على ما يرام.
أدارت المرأة وجهها بعيدا لتفادي نظراته. أكملت و هي تتطلع إلى أرجاء المتجر.
– يبدو أن تجارتك مزدهرة، على الأقل منذ آخر زيارة لي..
– انسي المتجر و حدثيني عن هانا.
تلوّن وجه فريدة لوهلة، لكنها تخلصت من ارتباكها بسرعة و تقمّصت مرحها القديم
– هانا في أحسن حال.. فاتنة في السادسة عشر من عمرها، قطعة فنية، إلهة إغريقية خرجت للتو من إحدى لوحات رامبرانت. دودة كتب مثل والدها.. و عنيدة حتى الغباء مثل أمها.
ابتسمت، لكن آدم لم تنفك أساريره.
– في الخمس سنوات الأولى من اختفائك المريب، أخذت في البحث عنكما كالمجنون. عندما سمعت بشائعة وجودكما في مصر، سافرت إلى القاهرة، مرتين. لم أترك مكانا ظننت أن أجدكِ فيه إلا و ذهبت إليه. منزل أهلك القديم، المساجد، المعاهد الدينية، الجمعيات الخيرية.. لكن للأسف، ذهبت كل جهودي سدى.
– أعرف عن تلك الزيارات.
– كنتي تعرفين!
– بعد زيارتك الثانية للقاهرة، أخبرتني إحدى الأخوات عن الأمريكي المتوتر الذي كان يبحث عن زوجته السابقة و ابنته.
– و لم يخطر ببالك أن تتصلي بي؟ أن تطمئنيني عليكما؟ ألم تشعري بالشفقة تجاهي؟
– بلي، شعرت. لكن لم يكن بوسعي أن أفعل أي شيء.
خفضت فريدة رأسها في خجل. أكملت
– كنت قد تزوجت رجلا محترما من عائلة عريقة في الجماعة، و كنت حاملا في ابننا الأول. قبل الزواج، أقسمت له أن أنسي عالمي القديم و ألا أشغله أو أورطه في أي من تعقيداته.
– لم أكن لأجبرك على شيء. لقد انفصلنا في سلام، هل نسيتي؟
– لم أنسى.
– كنت فقط أريد أن أطمئن عليكِ. كنا زوجا و زوجة في وقت من الأوقات. حتى لو لم ترغبي في ظهوري في حياتك مرة أخرى، فإنه من حقي على الأقل أن أرى ابنتي و أن أطمئن عليها.
– كانت لحياتي الجديدة—بعد الالتزام الديني—تعقيدات اجتماعية كثيرة لم أتآلف معها بسهولة: تغيُّر في أسلوب الحياة، واجبات و التزامات أكثر مما كنت أتخيل. لم يكن عندي لا الوقت و لا خلو البال حتى أتصل بك.
كانت فريدة تتهدج بعذوبتها القديمة، لكنها لم تعد مؤثرة في آدم كما في الأيام الخوالي. صارت أكبر سنا و فقدت قدرا من دلالها القديم.. إضافة لحنقه الشديد عليها.
– لو سمحتي، توقفي عن هذا الهراء. لقد قطعتي صلتي بابنتي عن عمد.


طارت الدعة من على ملامحها و انقلبت تقاطيع وجهها إلى الجدية. زفرت
– كانت هانا طفلة في الخامسة من عمرها، و كانت هويّتها في طور التكوين. كان من الصعب عليها التوفيق بين هوياتنا المختلفة (الأمريكية و المصرية) حتى في أثناء زواجنا، وقت لم أكن متديّنة أصلا.
– كانت هانا طفلة طبيعية و كانت في أحسن حال.
اقتربت منه و هي تواجهه
– كنتَ مشغولا في بناء تجارتك طوال الوقت، و لم تكن متواجدا ساعة سؤالها تلك الأسئلة الشائكة: عن الإسلام و المسيحية، عن الإله، عن الصواب و الخطأ.
– تعرفين أنى متسامح في تلك الأمور.. لست متديّنا أصلا، و لم أكن لأعارض لو أردتِ أن تتبع الدين الإسلامي.
– في ذلك الوقت لم أكن متدينة أنا أيضا، و لم أكن أهتم بمثل هذه الأمور مثلك. كنت أسمع أسئلة الطفلة ذات الخمس سنوات، و أرد عليها ردودا تتماهى مع المعايير الأخلاقية الأوروبية العلمانية الراقية التي كنت أظن فيها حلا لكل مشاكل الحياة الحديثة. لكن بعد الصدمة التي دمرتني، لم أجد حلا لأزماتي في تلك الفلسفة و المعايير الأوروبية.. لم أجد من حولي إلا عرضا بإجازة ممتدة و نصائح متكررة بزيارة الطبيب النفسي. لم أكن إنسانة مرهقة في حاجة إلى راحة أو مريضة في حاجة إلى علاج، بل مكلومة في حاجة ماسة إلى البُعد الروحي، ذلك الركن المنسي من الحياة الأوروبية الحديثة. لم أجد ملجأ إلا في دين آبائي و أجدادي. في رحلة البحث عن النجاة الروحية، بدأت أهتم بكل تلك الأسئلة التي كانت تهتم بها ابنة الخمس سنوات.
– كنت مستعدا لتقبُّل تحولك الفكري و الروحي.
– صرنا ساعتها من عالمين مختلفين تماما.
– و هل يعنى هذا حرماني من ابنتي؟
طوّحت بوجهها بعيدا مرة أخرى
– المعيشة في بيئة متدينة محافظة تفرض هوية معينة. لم أشأ لابنتي أن تعاني التشتت و الحيرة. لطفلة في طور النمو، كان سيكون صعبا عليها الاختيار بين نظامين أخلاقيين مختلفين جذريا عن بعضهما البعض.
– يا له من مبرر سخيف!
واجهته في عصبية
– لو كانت هانا في رعايتك، كيف كنت تحبها أن تكبر؟ ملتزمة دينيا مثلي الآن أم غربية متحررة مثلما تزوجتني؟
– التفاهم مع النسخة الثانية كان سيكون أكثر سهولة. تلك النسخة هي التي أحببتها و تزوجتها و عشت معها. لكني لم أكن لأمنعها من اختيارها أيا كان. أنت تعلمين هذا عني خير المعرفة.
– لكنك بديهيا كنت ستدفعها، عن طريق التربية، لاعتناق تلك الطريقة الغربية التي تعيشها الآن.
– لا أتنصّل من أسلوب حياتي. هكذا كنتُ—و كنتِ—عندما تزوجنا، و هكذا توقعت أن نربي أبناءنا.
– من حق كل إنسان أن يختار و أن يتغير.. و أنا تغيرت و اخترت التدين.
– لا أنكر عليك هذا الحق.
– و كوني أم هانا—ولي أمرها قانونيا، بالمعايير الأوروبية و الأمريكية—فأنا المسئولة عن تنشئة ابنتي، و بالتالي لم أكن لأربيها إلا على المعايير التي اعتنقتها، المعايير التي أصبحت أراها أفضل للعيش كإنسان.
– لم أعترض أصلا على هذا المبدأ..
قاطعته
– لكن الهوّة بين ثقافتينا صارت كبيرة لدرجة عدم الانسجام. كنت أريد لأبنتي أن تعيش في أجواء حضارية متجانسة، حتى لا تنشأ مشتّتة الهوية. شعرت أنه صار لزاما عليّ ألا أعرِّض الفتاة لوالدها، ذي الميول الغربية العلمانية، حتى لا يؤثر على منظورها الإسلامي للعالم.
– تبا.. لما لم نتحدث كأشخاص ناضجين. إنها ابنتنا نحن الاثنين، ليست ابنتك وحدك. حتما كنا سنتوصل لاتفاق يرضينا سويا.
– ليس ثمة اتفاق بين الحياة الإسلامية المحافظة و العلمانية المتحررة. ثم إنه في حالة تعرض أي طفل أو مراهق للمقارنة بين الحياتين، كان سينحاز دوما للحياة الغربية المريحة، العامرة بالمغريات، شحيحة القواعد و الالتزامات.
– اللعنة! أي منطق هذا لتبرير قسوتك عليّ و دكتاتوريتكِ في تربية ابنتنا.
– كانت الحياة الغربية وقتها في نظري شرا مطلقا، و لم أشأ لابنتي أن تتعرض لها مثلما تعرضت لها في طفولتي و شبابي.
– وقتها! هل تغير رأيك؟
هربت بوجهها بعيدا
– لقد كبرت هانا و لم أعد أخاف من تأثرها بمغريات الحضارة الغربية..
– صحيح، ماذا حدث الآن، لماذا عدتي إلى باريس؟ هل تغير موقفك؟ هل مللت الحياة المحافظة؟
تطّلع إلى ملبسها: كانت لا تزال ترتدي الحجاب، تماما كما ألفها عندما طلبت الطلاق قبل اثنتي عشر سنة، لكن ملابسها الأن أكثر زهوا، و اقل التزاما.
زفرت
– ألا تتابع الأخبار في الشرق الأوسط الحزين؟ ألم تعرف بما جري في مصر في السنوات الأخيرة؟
– تقصدين ثورة الربيع العربي في مصر؟
– لا، أقصد يونيو 2013
سطعت الحقيقة في عيني آدم. أدرك كل شيء.
– آه، قلتِ إنك تزوجتي رجلا من الجماعة؟ هل ألقى القبض عليه؟
– مات في أغسطس من نفس العام.
– أنا آسف.. لابد أن الحياة صارت صعبة بالنسبة لك في مصر.
– مطاردات السلطة لأعضاء الجماعة لم تصل لباب بيتي.
– إذا لماذا عدتِ إلى باريس؟
صمتت و قد ظهر الصراع على وجهها. نطقت على مضض و قد التمعت الدموع في عينيها
– عدم التزامي السياسي مع الجماعة منذ ثورة يناير 2011، إضافة لضعف تعاطفي مع قضيتهم بعد 2013، جعلني موضع شك أمام عائلة زوجي، فقام أخوه الأكبر باختطاف ولداي من زوجي المرحوم، و هرب بهما خارج مصر.
– يا للهول!
– عندما اتصل بي—بعد إصرار الولدين على محادثتي—برّر فعلته بأنه ما أخذهما إلا ليضمن تربيتهما كما كان سيربيهما أخوه: تربية إسلامية سليمة.
خفض آدم وجهه حتى لا تظهر الشماتة على وجهه. سخرت فريدة في مرارة
– إنها العدالة الشعرية في أبهى صورها، أليس كذلك؟ لقد تجرعتُ من ذات الكأس التي سقيتك منها.

 

Facebook Comments