جمال أحمد جمال – الفصل الأول


كان يوم أربعاء، في الأسبوع الأخير من شهر يناير.. البلاط العاري يشع الصقيع إلى ساقاي و ظهري. اتدثر بثيابي القليلة، انتفض واقفا حتى ابتعد عن مصدر البرودة، ثم اتجول قليلا في الزنزانة، الخالية نسبيا بالنسبة لهذا الوقت من العام. أتطلع في حنق إلى الشباك الحديدي العالي، المتواطئ دوما مع السجانين في اذلالنا و القسو علينا؛ في مرة سابقة – كانت صيفا – كان يضنى بنسمات الهواء فلا نكاد نقدر على التنفس أصلا، اما الأن فيُسلط علينا تيارات الزمهرير القاسية.
تحركت إلى تحت اللمبة المُتربة في سقف الحجرة، موهما نفسي استشعار حرارة ضوئها الباهت الضعيف.
منذ احتجازي هاهنا في حجز القسم، منذ ثلاثة أيام خلت، كنت اراجع نفسي و احاسبها على ما قطعت من طريق خلال سنوات عمري. متسلحا بالآمال العريضة، أخترت طريقا ابتغي فيه النجاح و السعادة، ليس لي وحدي، بل للناس من حولي و للإنسانية كلها. طريق شاق طويل، قطعته مرارا و تكرارا، لكن في كل مرة خضته فيها لم يفضي ابدا إلى النهاية المرجوة.
نعم، كنت ادرك ان أحلامي مُحلقة في عوالم المثالية و الرومانسية، لكني كنت سأقنع بتحقيق و لو قدرا يسيرا منها.. لكن برغم الجهود و التضحيات، لم احقق أي نجاحات، لا كبيرة و لا صغيرة، و لا حتى وهمية. في خلال السنوات القليلة الماضية، أدركت، انا، و من سار في دربي، ان آمالنا لم تكن إلا محض خيالات، و ان المهمة ليست شاقة، بل مستحيلة. لم نحتمل المواجهة جسديا و فكريا، و الأدهى من ذلك، لم نكن جاهزين روحيا و نفسيا و عاطفيا بالقدر الكافي.
قاسينا الحرمان و الألآم، و تعرضنا للتوبيخ و الإهانة.. انهار الرفاق تباعا، استسلموا و خرجوا مبكرا من ارض المعركة؛ نعم، تحمل كثيرون و اكملوا المسيرة، لكن شوطا بعد شوط، و مع ازدياد الضربات الموجعة، كانت الاعداد تتناقص في اطراد مخزي. ثم انه كان هناك ما هو اشد قسوة من الألآم و من الإهانة: تجاهل جموع الناس لمجهوداتنا و تضحياتنا، بل و استنكارهم و استهجانهم لجهودنا تلك، الطامة الكبرى كانت في احبابنا و اصدقائنا و اقاربنا، في رؤية ضعفهم و مشقتهم، ثم انقلاب تعاطفهم و تفهمهم لنا – تحت الضغط الشديد – إلى اتهام و استنكار لسلوك رأوه محفوف بمخاطر لا تأتي من ورائها نتيجة ذات قيمة.
لم تكن هذه أول مرة احاسب نفسي فيها على سلوك الدرب الثوري؛ كنت قد بدأت مرحلة حساب النفس تلك قبيل خروجي من السجن في مرة سابقة: كنت قد قضيت سنتين من الحبس في ظروف غاية في السوء، لم يكن يؤلمني فيها شيء قدر تردد أمي عليّ في الزيارات. كانت تدمرني نظراتها التي تبوح بألمها الدفين في وحدتها القاسية؛ كانت تقول دون ان ينطق لسانها: ألم اقل لك، الم احذرك؟ كيف تفعل هذا بأمك؟
لكن بعد الخروج من السجن ساعتها، التف حولي الرفاق في احتفاء يليق بالأبطال، رفعوني في الحركة و اخبروني ان الشباب تعاطف مع قصتي التي الهبت العقول و النفوس و ان الكثير من الشباب التفت لقضيتنا بفضل تلك التضحيات، و خير دليل على ذلك الاهتمام هو توافد الشباب على صفحة الحركة على الفيس بوك، التي وصلت عضويتها لخمسة و سبعين الف متابع..
(رقم كبير.. لكنه لا يقارن بعدد متابعين صفحات الفنانين و لاعبي الكرة، بل و صفحات السخرية الشعبية و التي يزيد متابعوها عن ذلك الرقم بمئة ضعف في بعض الاحيان.)
اخذتني الحفاوة، و خجلت من مشاعر الخوف و الانهزام التي اعترتني قبيل الخروج من السجن. نحيت جانبا مشاعر الضيق و الخجل من أمي و اخبرت نفسي ان المهمة امامي اكبر و اهم من أهلي المقربين.
لكن بعد عودتي للعالم الخارجي في الستة شهور الأخيرة، توالت الاحداث.. خرجت أمي على المعاش من عملها الحكومي.. فقدت الفرصة في مد الخدمة بعد المعاش لأن ابنها ربيب سجون و مهووس يُعرض البلاد للمخاطر، و بالتالي انخفض دخلها بشدة بعد اعتمادها على المعاش الهزيل وحده.
غضضتُ الطرف عن كل ذلك و انطلقتُ في حضور المؤتمرات و الفعاليات، مبتعدا عن المظاهرات او الأنشطة الخطرة قدر الإمكان. لكن حتى ذاك الحذر لم يكن كافيا. داهموا المركز الثقافي الذي كنا نعرض فيه أفلاما ثورية من مختلف دول العالم. تم تحريز المكان، و القاء القبض على المنظمين. أفرج عن الجميع تقريبا، الا انا لأن لي تاريخ و ملف في الداخلية، و تم احتجازي في القسم، انتظارا للعرض على النيابة.
في اليوم التالي حضرت أمي للقسم، كانت تبكي في ألم و حرقة، صرخت فيّ غاضبة، و اتهمتني بالأنانية و الخيانة. حاولت ان اهدئها، لكن طريقتي كانت صلبة بعض الشيء – كنت أحاول ان امنع دموعي، حتى لا يشمت فيّ أمين الشرطة الذي يراقب الزيارة في اهتمام. لذا بدلا من ان تهدأ، زادت ثورتها، قلتُ لها في جفاء ان تنصرف و الا تكلف نفسها مشقة الزيارة. نظرت إليّ في صدمة و قد تجمدت الدموع في عينيها. صفعت وجهي في غضب، فانفجر أمين الشرطة في قهقهة هستيرية، لحسن الحظ لم تطل عندما وجدني صلبا لا اهتز، و ان أمي هي التي تنهار، فتسقط على الأرض مغميا عليها.
ساعدني على رفعها على كرسيين خشبيين، ثم هتف في غضب بدا صادق

– يا أخي، ملعون ابو السياسة..

لم أكن تحت أي ظرف لأمكن أي فرد من أفراد الشرطة من رؤية انكساري.. لكن ساعتها و لحظتها، انفجر قلبي و انهارت عزيمتي. هبطت على يد أمي اقبلها و انا اجهش بالبكاء.

بعد دقائق معدودة أفاقت أمي.. دون ان تنظر في وجهي، قامت و انصرفت و هي تتسند على سيدتين أخريين كانتا قد حضرتا لزيارة قريب لهما.
كانت أمي ضعيفة هزيلة، و عجوزة.
حتى قبل ان اعود لزنزانة الحجز، كنت قد أخذت القرار بتطليق العمل السياسي و الثوري.  
.. و طوال الأيام الثلاثة التالية، اعترتني الأفكار و الظنون، ما بين التأمل في مستقبلي البعيد، في عالم ابتعد فيه عن النشاط الثوري، و بين النظر في وضعي الراهن الحرج. ماذا سيحدث لي؟ فرصة كبيرة أن يأمر وكيل النيابة باحتجازي 15 او حتى 45 يوما.. ماذا بعدها؟ تجديد حبس مرة او مرات، ثم محاكمة، ثم سجن لفترة تتراوح ما بين سنة لخمس سنوات أخرى.
اعترتني حالة من الضيق و الاكتئاب لا فرار منها. لقد تجاوزت الثالثة و الثلاثين، و العمر يتسرب من بين يدى.. لا شيء يحدث على الاطلاق، لا لي و لا للناس و لا شيء يبدو في الأفق.
لمت نفسي على غبائي و على رومانسيتي، خصوصا بعد خروجي من السجن قبل ستة أشهر.. كان الطريق مسدودا و الحوائط عملاقة صلدة، لماذا اذن اصررت على خبط دماغي فيها؟ انكسرت دماغي و ظل الحائط على وضعه. لما لم ادور بعيدا و ابحث عن طريق أخر؟ لما لم أحاول البحث عن عمل، ان استكمل تحضير الماجستير أو..
كنت في خضم تلك الأفكار العبثية، مترقبا عشرات الشهور من التحقيقات ثم المحاكمات الماراثونية، ثم عشرات الشهور من التعفن في سجون الداخلية.. ثم حدثت المعجزة. 
كان الوقت مساء، بعد الثامنة تقريبا، عندما تناهت إلى مسامعنا، نحن نزلاء الزنزانة، الخطوات الثقيلة للصول البدين، عم عبد التواب. توقف امام الباب ثم انهال على الباب المعدني بقبضته الثقيلة ليثير الرعب في قلوب المساجين، جذب مزلاج النظارة في عنف و ألقى بنظراته المخيفة على الجميع؛ لانت نظراته دفعة واحدة عندما لم تفلح حيلته في احداث الفوضى و الذعر المنتظر. هتف في ملل

– جمال أحمد جمال..
تقدمت من الباب، جذب مزلاج الباب، ثم فتحه. التقطني بذراعه الممتلئة في ود غير مفهوم
– المأمور عاوزك يا جيمي..
.. و في الطريق إلى هناك اهداني سيجارة و اشعلها بنفسه! ثم بعد انتظار لم يتعدى الدقيقة، ادخلني إلى المأمور، الذي لم يكن وحده. كان يجلس امامه شاب في مثل عمري، لكن في بدلة أنيقة، وجهه حليق ناعم، يعلوه شارب دقيق و شعره مصفف لامع، ينفخ دخان سيجارته الرفيعة في هدوء.. لحظة، مستحيل ان يكون هو..
من مكانه، قطع المأمور قطار افكاري
– كيف حالك يا جيمي؟ مش تقولنا إنك ابن عم جمال بك؟ الا صحيح، انتم الاتنين اسمكما جمال؟ مفارقة لطيفة..
أجاب الجالس على الكرسي قباله
– .. قبل ولادتنا بفترة قصيرة توفي جدنا، و بالامر المباشر من جدتنا، سمى والدانا أول صبيانهم بنفس ذات الاسم.
تطلعتُ في ابن عمي مذهولا؛ لم أره منذ أحد عشر عاما على الأقل. كانت ملامحه و سمته، بل و طريقة كلامه، مختلفة تماما عما عهدته عليه من قبل.
قام من مكانه، احتضنني و صافحني في حرارة، ثم اجلسني. همس من مكانه في شقاوته القديمة
– عامل ايه يا جيمي كومبو؟
برغم ذهولي من مفاجأة المقابلة، و برغم عدم ادراكي لمعناها، الا اني ابتسمت عند ذكره للقبي القديم.. همست بدوري
– تمام.. ازيك يا جيمي جامبو؟
ابتسم و ربت على ركبتي، ثم واجه المأمور متملقا.
– هيحصل ايه دلوقت يا معالي الباشا؟
– الظابط تحت بيسوّي المحضر مع النيابة، دقائق و يطلع بيه.. ربع ساعة على الأكتر و تتكلوا على الله..
حدقت فيهما في غير تصديق.. و ظللت في حالي هذا طوال الخمس دقائق التالية، حتى تحقق ما قاله الرجل بالضبط.
.. بل اننا كنا في الشارع بعد اثنتي عشر دقيقة!
على باب القسم، تنفستُ الصُعداء، و كدت ألقي بنفسي على الأرض ساجدا. احتشدت الأفكار في عقلي بسرعة، و جاشت روحي بالمشاعر. كان عليّ شكر ابن عمي و ابداء الامتنان له، لكن بالي كان مشغول بشيء أخر. اعتصرت يد ابن عمي شاكرا
– انا مش عارف اشكرك ازاي.. انا ممتن لتعبك و..
– ما تقولش كده يا راجل.. دي حاجة بسيطة..
– بسيطة! دانت عملت معجزة.
ابتسم في تواضع، ثم لوح بيده، فتحركت سيارة تجاهنا. قال و هو يربت على كتفي
– يلا بينا نتعشي سوا و نفتكر أيام زمان.. بعد كده تيجي عندي و تبات و..
– بكره الصبح هتلاقيني عندك، ناكل و نشرب، و نعمل كل حاجة.. بس النهاردة مش هينفع.. لازم الأول أروح البيت و اطمن أمي و اقعد معاها..
انخسف وجهه و غامت عيناه. فتح فمه و اغلقه، نطق أخيرا
– مسألتنيش انا عرفت عن حبسك ازاي؟
– اكيد ماما كلمت عمي و هو كلمك.. و انتوا اتصرفتوا.
– والدتك كلمت بابا صحيح من يومين، لكن هو ما عرفش يعمل حاجة ساعتها، و الامور حصلت بسرعة و..
– ايه اللي حصل بسرعة؟
خفض رأسه و اغمض عينيه، و شحب وجهه بشدة.
– والدتك، طنط نوال، تعبت اليومين اللي فاتوا، و حالتها اتدهورت بسرعة..
عرفت الخبر قبل ان ينطق به
– .. اتوفت النهاردة الصبح.
 
.. يقول من وجدني في اليوم التالي، أنى كنت تائها عند جدار بيت مهجور بإحدى الحارات الشعبية، غائبا عن الوعي، ابكي دون نشيج، و بين يدي قطة شاردة استكانت إلى حضني بطريقة غريبة.

Facebook Comments