جمال أحمد جمال – الفصل الثاني


من ابعد مشاهد الطفولة في ذاكرتي، مشهد دخول المدرسة.
في ذلك الوقت، لم يكن من المعتاد ان يُدخل الأهالي أطفالهم حضانات ما قبل المدرسة، لذا كانت لحظة دخول المدرسة، بعالمها الواسع و مبانيها الكبيرة و ازدحامها المُرعب بالغرباء – و كما المتوقع – مشهدا دراميا ملحميا، ينُحت بإزميل من صلب في صخرة الذاكرة الأبدية لكل طفل خاض تلك التجربة الصادمة مع العالم الخارجي.
لم يكن والدي قد توفي بعد، لكنه لم يكن متواجدا او مشاركا في تربية ابنه الأول (و الأخير)، و لم يكن ليلقى بالا لمثل تلك النشاطات العادية المملة. اخبر والدتي انه في مهمة لشركة النقل التي كان يعمل بها، في بورسعيد او طنطا. لم تجادله، برغم عدم تصديقها له؛ فهو اما يدخن الحشيش مع بعض الاشقياء الفلسطينيين او يقارع الخمر مع بعض الثوار من غرب افريقيا، او ينخرط مع بعض أصدقائه في الحزب الشيوعي القديم في بعض مواضيعهم الخزعبلية، بداية من محاولات اعادة احياء الحزب، وصولا للتخطيط للهرب إلى كوبا.
المهم انه لم يكن موجودا في تلك اللحظة الخالدة من حياتي الطفولية البريئة. كانت أمي موجودة بالطبع، لكن في تلك الفترة المبكرة كانت عظامها لا تزال لينة، لم تعركها الحياة بخشونتها التي اكتسبتها لاحقا، بل كانت لا تزال تتلعثم بلكنتها الشرقاوية و يخونها لسانها بين الحين و الحين بتلك الالفاظ القروية التي تثير عجب و سخرية ابناء القاهرة. لذا لم تقوى على الاعتراض و لا حتى التفوه بكلمه عندما امرتني المُدرسة في نفاذ صبر، أن أدخل الفصل ذا الضوضاء المرعبة، الصادرة عن عشرات الملاعين الصغار. تسمرت قدماي في رعب، لكني وضعت على وجهي ذلك القناع المستفز من الاعتراض و الرفض. زجرتني المُدرسة، و عندما رفضت التحرك من مكاني، مدت يدها و دفعتني في ظهري كي اتحرك.
.. و جاءت اللطمة. صفعة صغيرة حاسمة على يد المُدرسة. لا، لم تكن أمي، تلك الموظفة الشابة ذات الأصول الريفية، المُتيبسة في ذلك الوقت.. بل جدتي، ام والدي، نينا حمدية.
عندما استرجع جدتي في ذاكرتي، دائما ما تأتي صورتها في تلك اللحظة المجيدة: كانت قد جاوزت الستين، لكنها لم تزل منتصبة الهامة، فتبدو شامخة ذات رهبة برغم طولها المتوسط، و برغم سنها كانت لا تزال تحتفظ ببشرتها البيضاء الرائقة المُشربة بحمرة، نظرتها ثابتة مهددة، و صوتها آمر
– اياك تمدي ايديك تاني على جمال..
تقهقرت المُدرسة ممتعضة، فامسكت جدتي بيدي الصغيرة و قادتني في تشريفة سلطانية نحو الفصل. ادخلتي، و بجانب طفلة جميلة هادئة، اجلستني. سلطت عيناها القويتين عليّ، قالت تطمأنني و تمدني بمدد من قوتها
– ما تخفش.. خليك راجل. لو حد زعلك او خد حقك، دافع عن نفسك.. ما عرفتش، ترجع تقولي و انا هأجيبهولك.
صحيح انه في ذلك اليوم ضربني أطفال الفصل و سرقوا سندوتشاتي، و طردتني المُدرسة خارج الفصل ثلاث مرات، الا اني لم ابكي او اشعر بالقهر.. فقط انتظرت بفارغ الصبر حتى ميعاد الانصراف، كي اعود إلى تلك المرأة القوية التي ستعيد لي حقي.. نينا حمدية.
.. و قد كان؛ اذ جاءت في اليوم التالي لتنفذ وعدها و وعيدها.
لم تخذلني جدتي، ليس فقط في تلك المرحلة الحرجة المبكرة من طفولتي، بل حتى وافتها المنية.. و ليس أنا فقط، بل و أمي أيضا.
***
برغم اشتراكهما في العائلة و مسقط الرأس، كانت جدتي لا تحب أمي، الريفية الساذجة، الا انها كانت تحترم فيها تفانيها في خدمة ابنها و حفيدها، خصوصا بعد وفاة والدي المفاجئة و هو بعد في السابعة و الثلاثين من العمر.
تنحدر جدتي و والدتي من نفس العائلة، النشاشبي، من قرية بنواحي مدينة ديرب نجم في الشرقية. كانت امي شرقاوية ريفية من أبناء البلد، دخلت في التعليم مع التوسع الكبير في الحقبة الناصرية، و بفضل تفانيها و صبرها منذ الصغر، استطاعت ان تتم تعليمها الثانوي و ان تلتحق بالجامعة و تتخرج من كلية التجارة، لتتوظف في السلك الحكومي المعتاد في بداية الثمانينات. لكن جدتي، ابنة الجيل السابق لأمي كانت مختلفة عنها تماما، بالكاد انهت تعليمها الابتدائي، و انتظرت في بيت العائلة حتى آتي جدي، فارس احلامها، ليأخذها على فرسه الأبيض الجميل.
لكن، و برغم الفارق الكبير في التعليم و التحقق الوظيفي، كانت أمي لا ترقي لأن تصل لمعشار قدر جدتي و مكانتها في بيت العائلة و المجتمع.. تلك السيدة المنتصبة القامة، في رداء لا يخرج عن تايير ذي الوان زاهية و رسمة بسيطة، محتشم لكنه لا يكاد يصل لكاهلها، و ايشارب بديع مربوط تحت عنقها في عقدة واحدة؛ نظرتها الثابتة و نطقها الواضح بلكنة حضرية، و انتقائها للمُفردات و الامثال القاهرية الغنية، تجعل الرآئي و السامع اسير رقي جدتي و قوتها و نفوذها.
كان الغريب لا يسعه الا ان يناديها بـ “يا هانم”، اما أمي، في أحسن الأحوال، لم تكن تحصل على لقب أعلى من “يا مدام” او “يا أستاذة”.. ألقاب تتناسب مع وضعها كزوجة و أم أو موظفة في الديوان الحكومي.
اخبروني ان ابي، الذي توفى و انا بعد في السادسة من عمري – اكاد اذكر طيفه بفضل الصور لا غير – كان نسخة طبق الأصل من جدي.. صورة و محتوى. شخص مغامر جسور، كريم و شهم، لكنه متهور، يكاد يضيع نفسه و عائلته من وراءه بفضل قراراته التي يأخذها تحت تأثير اللحظة، يلقي بنفسه في غمار المغامرات و يهوى المخاطرة بين الحين و الآخر. كان جدي تاجرا جوالا، مضاربا في البورصة، مغامرا تجاريا، و مقامرا من الطراز الأول؛ اما ابي فكان ثوريا شيوعيا، انتحاريا من الطراز الخطير. لقى الأول مصرعه تحت عجلات قطار، بعد ان دفعه مقامر خسر ثروته امامه على الطاولة الخضراء، اما الثاني فلقى مصرعه في اغرب مكان لموظف يعمل بهيئة النقل العام، اذ قتل في خضم الحرب الاهلية الانجولية، اثناء قتاله في صفوف الحركة الشعبية لتحرير أنجولا (الماركسية في ذلك الوقت، و المدعومة من الاتحاد السوفيتي و كوبا) في حربها الشرسة ضد مقاتلي حركة يونيتا، المدعومة من الولايات المتحدة و حكومة الفصل العنصري لجنوب افريقيا.
صحيح انه بفضل الأول، تكونت لدى الاسرة ثروة مالية محترمة، تتضمن مصنع صغير لصناعة الملابس (استحوذ عليه في صفقة مخاطرة مذهلة) و صحيح ان الثاني، اعطى للاسرة بعض الصيت السياسي على المستوى المحلي و الإقليمي (بل و العالمي)، الا ان حال الاسرة كان إلى ضياع لو ترك لهذين الرجلين. لحسن الحظ، كان هناك رجل ثالث يعمل في الظلام، عمي علي.. رجل لم يكتسب الشهرة و لا الحب بين أوساط اسرتنا و معارفنا، لكن لولاه لتشردت الاسرة و لكان وضعها المالي اشد حرجا.
اذا كان والدي نسخة طبق الأصل من جدي، فإن الامر لا يرجع فقط للجينات، بل لتربيته المباشرة تحت اشراف جدي؛ فكونه ابنه الأكبر، قضى ابي الشطر الأكبر من حياته في صحبة ابيه، خصوصا في تلك الفترة التي كان يعمل فيها تاجرا متجولا.. لذا اكتسب منه فهلوته و قدرته الفذة في اجتذاب الناس و الاستحواذ على اعجابهم و اقناعهم و الإيقاع بهم لو تطلب الامر. اما عمي، الأصغر سنا، فوقع، مع اخوته البنات (ثلاث عمات)، في نصيب جدتي التي بقيت في بيت الاسرة الصغير في الأميرية، تُقيم البيت و تدبر اموره في غياب الزوج الذي كانت تهيم فيه حبا و عشقا و ابنها الأكبر خفيف الدم و الروح الذي كانت تفتقده بشدة.
حتى اللحظات الأخيرة من عمرها، كانت جدتي تعتبر عمي شخصا سخيفا، ثقيل الدم، مملا – هو كذلك – لكنها أيضا كانت تعتبره غبيا، ضعيف العقل، بطئ الفهم، و هو في حقيقة الأمر ابعد ما يكون عن ذلك. حاولت جدتي ان تجعل منه رجلا على هواها، و كان هو لا يدخر وسعا في ارضائها، الا ان كل جهودها ذهبت سدى. حاولت – عنوةً – اشرابه اخلاق الكرم و المرؤة و الشجاعة و الاقدام، فلم يخرج من تحت يدها الا بخيلا، حذرا، يحسب حساب الخطوة قبل الاقدام عليها. تحت وطأة تربيتها الحديدية، نشأ عمي شخصا تقليديا، مملا، مفتقدا الحيوية و خفة دم و روح المبادرة التي كانت تسري في ابيه و أخيه الاكبر، لذا لم يحظى المسكين بحب الناس و صُحبتهم، حتى من أمه التي كانت سببا في سلوكه و شخصيته تلك. بل ان جدتي كانت تقولها صراحة: ان الحياة قست عليها و اخذت منها رجليها المفضلين مبكرا، و تركت لها هذا الابن السخيف الجبان الممل.
***
صحيح ان عمي كان غير محبوب من أمه و من أوساط العائلة و الجيران (ليس فقط لاسلوب تعامله معهم، بل نتيجة تشنيع جدتي عليه امام الناس أيضا)، لكنه كان يحظى ببعض الاحترام و التوقير بفضل نجاحه الباهر في إدارة شئون المصنع بعد وفاة جدي. كان قد تولى ادارته منفردا، حتى قبل وفاة والدي، الذي لم يكن يطيق حياة المكاتب و التعامل مع الموظفين و العمال.. ثم ان والدي لم يعش طويلا بعد وفاة جدي.
استطاع عمي، بفضل تفكيره الممنهج و طبعه الحذر المتأني، ان يصلح مشاكل المصنع الفاشل و ان يطوره، فتحولت خسائره إلى مكاسب و في غضون سنوات قليلة، كبر المصنع و انتشرت منتجاته في الأسواق المحلية، بل و بدأ في التصدير إلى الأسواق الخارجية.
ما ان نجح عمي في إدارة دفة الشركة و تحقيق أرباح، حتى اكتسب الثقة في نفسه، و تدريجيا وجد في نفسه القدرة على مواجهة جدتي. كان الرجل يدير الشركة ويقوم بشئونها مجانا، لا يحصل الا على نصيبه من أرباح الشركة التي كانت توزع على الورثة بالتساوي.
احضر لها هدية، اسورة ذهبية، و بعد وليمة معتبرة من الكباب للعائلة كلها، طلب عمي زيادة نصيبه من الأرباح، تقديرا لجهوده في قيادته الشركة. طوحت جدتي بالاسورة في وجهه و وضعت اصبعها في فمها لتتقيأ ما تناولته من طعام. تبخرت شجاعة عمي في ثوان و ركع تحت قدمي أمه يطلب الصفح و المغفرة.
.. و بقى الامر على حاله طوال سني عمر جدتي المديدة، و التي تجاوزت الثانية و الثمانين. بعد تلك الحادثة، عرضت جدتي عليه مرتبا شهريا لقاء تفرغه لادارة الشركة، لكن عمي (المذعور من غضبها ساعتها، ثم الحانق على ظلمها بعد ذلك) رفض و بقى مكتفيا بحصته من الأرباح.
لكن بوفاة جدتي، تحرر العم أخيرا من القمقم. فبعد انقضاء الأربعين مباشرة، جمع افراد العائلة، أمي (ارملة اخوه) و اخوته البنات الثلاثة. باح لهم بما كان يجيش في صدره طوال عشرين عاما كان يتولى فيها سدة الشركة و لا ينعم فيها بافضلية عنهم، برغم جهده و مجهوده. عرضت احدى العمات موضوع المرتب مرة أخرى، لكنه رفض طرح الفكرة اصلا، و خيرهن بين امرين: اما ان تُغير انصبة الأرباح و يكون له نصفها، او ان يبيعوا له انصبتهن في الشركة. تعالت أصوات النسوة بين هلع و غضب، داعين عليه بالويل و الثبور، لأكله مال الايتام و لخيانته عهد أمه. لكن الرجل لم يهتز او يتراجع هذه المرة.
لما وجد من النسوة (و ازواجهن) العند و المقاومة، قام باغلاق المصنع و رفع قضية امام المحكمة لتقسيم التركة. باغلاق المصنع و اختفاء المرتب الشهري، و الذي كانت تعتمد عليه الاسر بشدة؛ اخذ الجميع في التفكير تحت وطأة العوز المادي، دون نسيان الرغبة في الانتقام. لتعجيزه ماديا و للتحصل على اكبر مبلغ مالي مباشرة، قررت عماتي بيع انصبتهن في الشركة دفعة واحدة. لكن الرجل كان قد حضر نفسه جيدا، و استطاع ان يسدد المبالغ كلها.
حاول عمي ان يثني أمي عن بيع نصيبي في الشركة، ذلك انها لن يكون لها دخل ثابت محترم غير مرتبها الحكومي؛ عرض عليها ان توافق على حصة الـ15% من الشركة (بحسب تقسيمه الجديد)، الا انها اندفعت وراء عماتي. باعت نصيبي ثم اشترت لها و لي شقة صغيرة في سراي القبة، ذلك ان الورثة قاموا ببيع منزل العائلة الذي كنا نقيم فيه مع جدتي.
***
بعد وفاة جدتي، انفرط عقد عائلة جمال افندي سليم، و انقطعت كل صلاتي بعالمي القديم الاثير.. ليس فقط لوفاة الوتد التي ربطت اليه حبال الاسرة المتنافرة و لاصرار عمي على تقسيم الميراث، لكن أمي أيضا كان لها دور في تلك القطيعة، لما فيها من صفة لا ترياق لها، الا و هي الكرامة و الكبرياء المُفضية إلى العند و المكابرة.
ففي غمرة حماسها بعد استلام الميراث، و حتى لا تشعر بانها، هي و ابنها، في وضع اقل مما كانت عليه و حتى لا تشعر بشفقة اهل زوجها المرحوم، اختارت ان تشتري شقة بالقرب من مقر عملها الحكومي، في منطقة لا تقل في السعة و لا المكانة الاجتماعية عما تعودنا عليه سابقا. و كان ذلك قرارا كارثيا لأنه كلفنا جزء كبيرا من الميراث، ما ترتب عليه اضطررانا للاعتماد على مرتب والدتي الحكومي الهزيل، و ان نعيش تحت ضغط مالي كبير لفترة طويلة من الزمن.
و كان شظف الحياة هو سبب قطيعة امي مع باقي العائلة. ذلك انه بصرف امي من مرتبها على تكاليفنا اليومية (و التي كانت تساهم فيها جدتي و أرباح الشركة الوفيرة)، اضطرت للتدبير في بعض الأساسيات مثل الطعام و الشراب و خصوصا الملابس – و في الأخيرة كانت محنتها الكبرى؛ اذ لم تكن لتطيق ان تظهر هي و ابنها في مظهر اقل من باقي افراد العائلة.
لم أبالي في تلك السن المبكرة (كنت قد اتممت الشهادة الإعدادية) بتدهور حالتنا المادية (و ان افتقدت رفاهيات مثل أكياس الشيبسي و الحلوى و المشروبات الغازية و الألعاب التي كانت تغدقها عليّ جدتي و عمي و عماتي)، لكن الذي اثر فيّ و اصابني باختناق شديد هو حالة العزلة التي وجدت نفسي فيها فجأة. فبعد ان كنت أعيش في بيت العائلة الكبير، تحوطنا اسرة عمي و احد عماتي الساكنين بقربنا، باطفالهم المقاربين لي في السن، أصبحت فجأة وحيدا في العالم.
و بتغير مكان السكن و المدرسة، واجهت صعوبة كبيرة في انشاء صداقات جديدة، خصوصا و ان فترة الثانوية لا يهتم خلالها الطلبة بالحضور للمدرسة أصلا. و بالطبع تحت وطأة العوز المادي، لم يكن متاحا أن اخذ دروسا خصوصية – و التي لم ارغب فيها طلبا للمساعدة في الدراسة، بل رغبة في التواصل البشري مع غيري من الطلبة.
لم يكن لي من رفيق طوال سنوات الثانوية سوى أمي. صحيح اني كنت احبها، ولا زلت، لكن فتى في عنفوان المراهقة لا يطيق ان يبقى تحت ناظري امه اربع و عشرين ساعة، دون رفيق او صديق.
انكببت على الدراسة و في ساعات الراحة، انغمست في القراءة.. لكنى كنت دوما و ابدا اتوق لحياة العائلة الكبيرة التي اتيت منها، خصوصا اتراب الطفولة من أولاد عمومتي، لاسيما ابن عمي، سميي و سمي جدي.. جمال علي جمال او جيمي جامبو.
ذلك ان جدتي، و من كثرة عشقها و حبها لزوجها الراحل، اشترطت على ابنيها ان يتسمي باكورة انجابهما من الذكور باسم ابيهما، و برغم غرابة الوضع و سماجته، رضخ الابنان لامهما القوية. جئت انا أولا، فكنت جمال أحمد جمال، و جاء هو بعدي بثمانية اشهر فكان جمال علي جمال.
و للتفرقة بيننا في البيت الكبير، اخذ الأباء و الأمهات في اطلاق الألقاب علينا. كنت انا أطول و املأ جسدا (في أيام العز)، ناهيك عن ولادتي قبله، فأخذوا في مناداتي بجمال الكبير، لكن جدتي كانت تعترض على تلك التسمية، لأن زوجها المرحوم فقط هو جمال الكبير، ثم اخذوا بمناداته هو بجمال الأشقر، لبياض وجه و شعره الفاتح الذي ورثهما عن امه السكندرية.
لكن التسمية التي استقرت علينا هي تسمية أصدقاء الحي الذي كنا نقطنه. فكنوع من السخرية من ابن العمي، القصير الضئيل الحجم في ذلك الوقت، اصطلح على تسميته “جيمي جامبو”، اما انا، و لأتقاني مهارات عدة في صغري، مثل الرسم و لعب الكرة، فتمت تسميتي “جيمي كومبو”. لم يجد أي منا غضاضة في تلك الألقاب الكاريكاتورية، و استمرت أسماء محببة لنا لفترة طويلة، حتى وفاة جدتي، عندما فصلت بيننا أمور الميراث و اضطررت انا للهجرة، بصحبة أمي، بعيدا عن الاميرية.

 

Facebook Comments