صالون مارس

الحملة المصرية على سوريا و الصراع المصري – العثماني (1831-1840)

 

بحلول الساعة الرابعة مساء يوم السبت 20 أكتوبر 1827 كانت الكارثة قد تحققت..

لقد دمر اسطول التحالف (بريطانيا و فرنسا و روسيا) الاسطول العثماني الضخم، المكون من الاسطول السلطاني و الاسطول التونسي و الجزائري و بالطبع درة الأساطيل العثمانية.. الاسطول المصري الحديث.

كانت الهزيمة ساحقة.. كاملة، تماما كما توقعاها: الأب – الوالي المحنك، و الابن – جنرال الحرب الذي لا يشق له غبار.

المعركة التاريخية و التي برغم أهميتها العظمي لم تتجاوز الساعتين، هي معركة نافارين البحرية الشهيرة و التي ستكون علامة فارقة في تاريخ العالم الحديث.

علي صعيد الساحة الأوروبية، مثلت نتيجة المعركة تغييرا حاسما في حظوظ الثوار اليونانيين الذين كانوا على شفا هزيمة كاملة و مجاعة فظيعة. فبتدمير الاسطول العثماني – المصري، انتهي الحصار العنيف للجزر اليونانية و أصبحت شبه جزيرة المورة (البيلوبونيز) مفتوحة على العالم الخارجي، مستعدة لاستقبال المعونات الخارجية، بل و قوات الحلفاء. و بالفعل بعد اقل من عام، وصلت القوات الفرنسية لتعلن تحرير شبه الجزيرة من قبضة العثمانيين، و في غضون سنوات قليلة تُعلن اليونان دولة مستقلة.

اما على الصعيد الداخلي للسلطنة العثمانية، فكانت هذه المعركة هي المسمار الأخير في نعش العلاقة (المتوترة أصلا) بين الباب العالي و واليه المتمرد في مصر.

محمد علي باشا الضابط الالباني هو والي مصر و حاكمها المتفرد منذ العام 1805. تربع على عرش الولاية في اعقاب فوضي شاملة سادت البلاد منذ طرد الفرنسيين علي يد القوات العثمانية الحديثة بمساعدة حلفائهم البريطانيين المؤقتين عام 1801. في أوقات غاية في الدقة و الحرج، استطاع هذا الثعلب الالباني المحنك ان يتميز من وسط اقرانه ليخلف زعيم فرقته الالبانية طاهر باشا اثر اغتياله، ثم بعد ذلك يسود في الصراع الثلاثي بين المماليك و الاتراك و الألبان، ليحصل على دعم المشايخ و الأهالي المصريين، و يغنم أخيرا بتعيين رسمي من الباب العالي، اتي برغم انف السلطان سليم الثالث، الذي اضطر لتعيينه حتي ينهي حالة الفوضى العارمة التي عصفت بالبلاد.

محمد علي باشا - بريشة الرسام الفرنسي لويس دوبري
محمد علي باشا – ريشة الرسام الفرنسي لويس دوبري

لكن الحاكم المحنك، و برغم حصوله على الفرمان السلطاني المرتقب، لم يركن إلى الراحة ابدا، بل استمر في بسط سيطرته على البلاد و التخلص من اعدائه: أولا من المماليك عبر مذبحة شاملة عام 1811 ثم مطاردتهم عبر الصعيد، وصولا إلي مستقرهم الأخير في دنقلة بالسودان، ثم التفت بعد ذلك إلى رفقائه الألبان المتمردين (فبرغم كل شيء كان محمد علي لا يزال في نظر الكثير من أقرانه واحدا منهم، لا يحق له التميز من دونهم)، فقام باستنزافهم و التخلص منهم تباعا في حملات الحجاز 1811 – 1818، وفي حملة السودان 1820-1822.

و من ثم خلت له الساحة أخيرا لبناء جيشه الخاص، جيشا يدين له وحده بالولاء. كان الهدف الأول من وراء حملة السودان هو جلب العبيد الاشداء ليكونوا اللبنات الدنيا للجيش الوليد (من الأهداف الأخرى للحملة طبعا كانت مطاردة فلول المماليك، و البحث عن الذهب). تمت عملية ضم السودان، لكن نتائج حملة سبي و تجنيد العبيد كانت كارثية، فبالإضافة الي الأوبئة التي فتكت بجنود محمد على، كانت رحلة حمل العبيد من السودان وصولا الي مصر كارثية، فمن 20 الف عبد تم سبيهم ما بين 1820 -1824 (لينقلوا إلى أسوان مشيا على الاقدام)، لم يبق على قيد الحياة منهم غير 3 الاف فقط.

أصابت محمد علي خيبة الأمل، و فكر في عدة حلول، منها استقدام أطباء أمريكيين (نظرا لخبرة الأمريكيين في التعامل مع العبيد السود) او بناء مراكب لنقل العبيد توفيرا للمشقة العظيمة.

لكن محمد علي قبل ان يكون قائدا عظيما، و حاكما محنكا، كان بالأساس اقتصادي عبقري، و في قول اخر: برجماتي معدوم الرحمة. فلتعويض خسائره المفجعة من الجنود نتيجة الأوبئة، اضطر محمد على لتجنيد 4000 من الفلاحين المصريين لسد العجز. نجحت هذه الدفعة من الجنود في القيام بمهامها على نحو لم يتوقعه محمد علي، مما شجع الوالي على المخاطرة: أولا بالاعتماد على الفلاحين المصريين الذين كان يحتقرهم و لا يثق في قدراتهم (كما يظهر في كثير من مراسلاته و حواراته مع الدبلوماسيين الغربيين) و ثانيا و الأهم بتجريف القوة العاملة في الثروة الزراعية الجبارة التي تمول مغامرته الجريئة و رحلته الطموحة نحو العظمة.

 

ابراهيم باشا – بريشة الرسام الفرنسي شارل فيليب لاريفير

و بالاستعانة بالكوادر الأوروبية {مثل الجنرال سيف (سليمان باشا الفرنساوي) في انشاء مدارس تدريب الضباط و الجنود، ثم رئاسة اركان الجيش، و دكتور كلوت بك في انشاء مدرسة الطب في أبو زعبل.. و غيرهم كثر} استطاع محمد علي بداية من عام 1822 بناء جيش نظامي حديث، و في اقل من ثلاث سنوات جاءته الفرصة الاولي لتجربة جيشه الجديد، عندما استدعاه السلطان محمود الثاني، طالبا المساعدة في السيطرة على الثورة اليونانية.و بالفعل، انتقل ابن الباشا الأكبر، إبراهيم باشا، الجندي الهصور و القائد العسكري المحنك، ليقود الجيش الجديد إلى شبه جزيرة المورة (البيلوبونيز)، موطن التمرد اليوناني، في فبراير 1825. و في غضون شهور قليلة، استطاع إبراهيم باشا ان يقمع التمرد اليوناني بمنتهي الفاعلية. تمت استعادة أثينا و إتمام حصار ميسولونغي، و باتباع استراتجيات غاية في القسوة و العنف (من أمثال سياسة الأرض المحروقة – باحراق القري عن اخرها و الحقول، مما ادي إلى مجاعات – و بأسر الثوار و نقلهم الي مصر كعبيد)، استطاع إبراهيم باشا ان يقمع اليونانيين و كاد ان يقضي على ثورتهم تماما. لكن اخبار القائد العثماني الفعال (المسلم) و قسوته البالغة تجاه اليونانيين (المسيحيين)، الهبت مشاعر المواطنين في شتى المدن الأوروبية. (مع العلم بأن العنف كان متبادلا طوال حرب الاستقلال اليونانية، حيث قام الثوار اليونانيون بمذابح وحشية تجاه السكان المسلمين الموالين للسلطنة – لكن طبعا إبراهيم باشا بماكينته العسكرية الفعالة كان اشد فتكا). اضطرت بريطانيا و فرنسا للتحرك تحت ضغط الرأي العام، إضافة بالطبع لخوفهم من اخلاء الساحة للقيصر الروسي (المتوج حديثا) نيكولاس الأول، و المتحمس لفرض نفسه على الساحة الأوروبية.

حصار ميسولونغي - بريشة الرسام الايطالي جوسيب ماتزولا
حصار ميسولونغي – بريشة الرسام الايطالي جوسيب ماتزولا

.. و انتهي الأمر بكارثة نافارين البحرية.

لكن الأمر لم ينتهي بالنسبة لمحمد علي. صحيح ان قلبه انفطر حسرة على جيشه و اسطوله الذي بذل فيه الغالي و النفيس – سنوات طويلة من التخطيط و التدريب، و أموال لا حصر لها تم انفاقها على التدريب و التسليح، و ثورات كثيرة للفلاحين ضد التجنيد الاجباري تم قمعها بمنتهي القسوة – لكن الوالي لم ييأس. لقد تعلم درسا قاسيا، و بناء عليه قرر البداية من جديد مرة أخري، لكن هذه المرة بتجاوز كل الأخطاء السابقة، و أولاها الانصياع للباب العالي و السلطان. سيتمرد على الدولة العثمانية تماما هذه المرة.

و في سباق محموم مع الزمن، قام محمد علي بإعادة بناء جيشه مرة اخري، و قام أيضا ببناء ترسانة بحرية في الإسكندرية عام 1829 لبناء الاسطول بنفسه هذه المرة. و بالفعل، وفي زمن قياسي، كان جيش محمد علي الجديد جاهزا للخدمة صيف عام 1831.

كانت حركة بناء الجيش السريعة و ازدياد زخم التجنيد الاجباري مما اثار انتباه و قلق العواصم الأوروبية جميعا. لمن يجهز محمد علي جيشه هذه المرة؟

و جاءت الإجابة في 2 نوفمبر 1831، عندما تحرك جيش الباشا – برا و بحرا – تحت قيادة ابنه إبراهيم، ليجتاح الأراضي الفلسطينية في سرعة و حسم، قبل ان يقف عند مدينة عكا الاستراتيجية، شديدة التحصين (نابليون بونابرت شخصيا لم يستطع كسر إرادة المدينة قبل اثنين و ثلاثين عاما). بعد حصار ستة اشهر سقطت المدينة في 27 مارس 1832، و اُسر عبد الله باشا والي المدينة، ليتم ارساله إلى القاهرة (استقبله محمد على بحفاوة و اكرمه). و من بعد عكا، كان الطريق شبه مفتوح في الشام، لينطلق إبراهيم باشا بجيشه فاتحا لدمشق في 14 يونيو 1832، و ليكمل بعدها وصولا إلى حدود سوريا الشمالية، لتدور أولى المعارك الكبري مع الجيش العثماني عند ممر بيلان، جنوبي جبال طوروس، و هناك يسحق الجيش المصري القوات العثمانية، مما يثير حفيظة السلطان العثماني، فيقوم بتجهيز جيش اكبر عددا و اكثر تسليحا تحت قيادة الصدر الاعظم محمد رشيد باشا (رئيس الوزراء). يدخل جيش إبراهيم باشا دون مقاومة إلى قلب الاناضول التركي نفسه، و على مشارف مدينة قونية تدور  المعركة التاريخية الأشهر. يسحق الجيش المصري الجيش العثماني في 12 ديسمبر 1832، لينفتح الطريق على مصراعيه امام جيش إبراهيم باشا للوصول للآستانة، عاصمة الخلافة نفسها، و التي كانت تفصله عنها مسيرة يوم واحد.

 

محاور النقاش

 

    • هل كان نصر جيش محمد على و ابنه إبراهيم باشا نصرا مستحقا؟ ام ان الدولة العثمانية كانت دولة على وشك الانهيار بالفعل؟

 

    • هل يحق للمصريين ان يفخروا بإنجازات دولة محمد على العسكرية؟ مع العلم بأنهم لم يمثلوا الا الطبقة الدنيا من الجيش (جنود و صف ضباط)، و حتى انضمامهم للجيش كان قهرا عبر التجنيد الاجباري؟ و هل لو كان قوام جيش محمد علي الحديث من السودانيين كما خطط مسبقا، هل كان سيحقق نفس النجاحات العسكرية؟

 

    • هل انتصارات جيش محمد على العسكرية مما يبعث على الفخر اصلا؟

 

    • هل أدت تحديثات محمد على العسكرية و المدنية إلى تجديد الدولة العثمانية ذاتها؟ ام ان الدولة العثمانية كانت بالفعل على مسار التحديث رغما عنها تحت وطأة التغول الروسي من الشمال، و تحت اهتزاز سيطرتها على الأقاليم و التي ظهرت جلية في ثورة الصرب و انفصال اليونان – و بالطبع تمرد البشوات مثل علي باشا في البانيا، داوود باشا في بغداد و محمد علي في مصر؟ (نظام جديد تحت سليم الثالث، و الجيش المحمدي المنصور تحت محمود الثاني)

 

      • بعد انتصارات جيش محمد على في سوريا، استطاع ان يحصل لابنه على باشوية سوريا، ليخضع الشام تحت حكمه لمدة تسع سنوات، بعدها اقام السلطان محمود الثاني جيشا حديثا جديدا، بل و استعان بخبرات عسكرية أوروبية من أمثال القائد الألماني الأسطوري فان مولتكه الكبير. قامت حرب اخري بين الطرفين في نزيب (نصيبين) في 25 يونيو 1839، لينتصر الجيش المصري مرة اخري. لكن هذه المرة تدخلت القوي العالمية بقيادة بريطانيا و تم الضغط على محمد علي باشا دبلوماسيا، لكنه تجاهل كل التحذيرات، فقام الاسطول البريطاني بقصف بيروت في 26 سبتمبر 1840 (ثم قام بانزال عسكري في المدينة)، و من بعدها قصف عكا في 3 نوفمبر، مما أضطر محمد علي باشا للموافقة على الانسحاب من الشام و الحجاز في مقابل حقوق وراثية لذكور اسرته في حكم مصر مدي الحياة.
        1. لماذا اخذت الاحداث هذا المحني الغير متوقع؟ هل كانت هذه النهاية الدرامية للمغامرة السورية المكلفة حقا هي منتهي ما كان يأمل به محمد علي منذ البداية (كما يدعي بعض المؤرخين)؟ هل كانت هذه النهاية افضل لمصر و المصريين بالفعل؟
        2. اذا لم يكن الامر كذلك، و بفرض ان هذه النكبة حدثت برغم انف حاكم مصر، كيف كان يستطيع محمد علي عسكريا و دبلوماسيا تفادي هذه النهاية؟ مع العلم بأن باشا مصر حاول اقناع بريطانيا بإقامة حلف عسكري معها في المنطقة لطمأنة شكوكها من ناحيته، لكن تم تجاهله تماما. ماذا عن الروس، هل كانوا حلفاء محتملين، خصوصا و ان لهم تاريخا في التحالف مع الولاة العثمانيين المتمردين، خصوصا مصر، من مثال تحالف علي بك الكبير مع الروس في عهد الإمبراطورة كاترين الثانية؟

 

    • كيف تُقيّم تجربة محمد على باشا في مصر؟ هل كانت هناك بدائل اخري افضل (و اقل قسوة و دراماتيكية) للنهوض بالبلد و الدخول بها للعصر الحديث؟

 

  • تقييمات للموقف العثماني
    • بعد الهزيمة من جيش محمد علي عام 1833، أصاب العثمانيون الرعب، فبعثوا يستغيثون بالعواصم الأوروبية، باريس و لندن، طلبا للحماية و المساعدة، لكن القوتين العظميين كانتا مشغولتين باحداث أوروبية اخري (الثورة البلجيكية و التدخل الهولندي- الفرنسي)، مما اضطر السلطان العثماني ان يدور صاغرا و يطلب المساعدة من الروس، أعداء بلاده الالداء. وافق الروس على الفور، ليرسو الاسطول الروسي لأول مرة في خليج البوسفور، مما اثار احاسيس عميقة من الرعب و الحسرة عند سكان عاصمة الخلافة. لا ينصرف الاسطول الروسي الا بعد استقرار الاوضاع و التوقيع على معاهدة كارثية مع الباب العالي (معاهدة هنكر اسكله سي)، يسمح بمقتضاها للروس بالتدخل لحماية الدولة العثمانية، و بغلق المضايق العثمانية على كل السفن الحربية عدا السفن الروسية. هل فعل السلطان العثماني مبرر؟ ان يلجأ للروس، اعدى اعداء دولته و الخطر الأول على الخلافة العثمانية و الحليف الأكبر للتمرد في ولايات البلقان و اليونان، و الذين قاموا مرارا و تكرارا بغزو أراضي الدولة العثمانية، اخرها قبل خمس سنوات فقط، عام 1828؟ هل كان للسلطان محمود الثاني من خيارات اخري؟
    • أثارت المعاهدة ضيق بريطانيا لانها فضحت الطموحات الروسية للتمدد في المنطقة. خطط بالمرستون، وزير خارجية بريطانيا سريعا لقيام بلاده بدلا من روسيا بدور الحماية للدولة العثمانية الهشة، لكن بعد التوقيع على معاهدة بالطة ليمان الكارثية هي الأخرى و التي عن طريقها حصل البريطانيون علي امتيازات عدة، أهمها، انهاء الاحتكارات الاقتصادية في عموم الدولة العثمانية و فتح الباب تماما امام تغول الصناعة البريطانية (الارخص بفضل الثورة الصناعية الكبرى في بريطانيا في ذلك الوقت). وافق العثمانيون، ليس فقط لأنهم مضطرين، لكن لانه بتطبيق المعاهدة في عموم الدولة العثمانية، يتم اجبار مصر على فتح أبوابها هي الأخرى، و بالتالي يتم انهاء احتكار محمد على للاقتصاد المصري، و بالتالي ضياع المصدر الاقتصادي الأوحد لبناء الجيش و تحديثه. هل ما قام به العثمانيون مبرر؟ ألم يكن هنالك من مخرج اخر؟

 

مصادر

  • كل رجال الباشا – د. خالد فهمي
  • موسوعة الإسلام – سير ه. أ. ر. جيبز
  • افكار بخصوص احداث عام 1833 في القسطنطينية بين روسيا و تركيا – كاتب مجهول
  • الحكم المصري في الشام – لطيفة محمد سالم
  • موسوعة ويكيبيديا

Facebook Comments