صالون مايو

السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الأزمة السورية

 

في عدد ابريل من مجلة ’The Atlantic‘، نُشر ريبورتاج سياسي هام للصحفي المخضرم ’جيفري جولدبيرج، يقوم من خلاله بسرد سريع (وتقييم مقتضب) للسياسة الخارجية للرئيس الامريكي باراك اوباما طوال السنوات السبع الماضية، مع التركيز بالأساس على ازمات منطقة الشرق الاوسط، لا سيما الحرب الاهلية في سوريا، الدائرة منذ 2011. و في الشهر التالي – اوائل الشهر مايو – نشر الصحفي ’ ديفيد سامويلز في مجلة ’The New York Times Magazine‘، مقالة اخري تتماس مع ذات الموضوع، لكن بطلها الرئيسي هو ’بن رودز‘، نائب مستشار الأمن القومي لشئون الاتصالات الاستراتيجية، كاتب خطابات الرئيس و أحد اهم النافذين إلى قلب و عقل باراك اوباما.

The_Atlantic_magazine_cover

ربورتاج جيفري جولدبيرج وعرضه لـ ’عقيدة أوباما في السياسة الخارجية‘ أهم وأكثر مهنية (واقل اثارة للجدل) من تغطية ديفيد سامويلز المثيرة في مجلة النيويورك تايمز. من خلال تواجده حول الرئيس الامريكي ومرافقته في العديد من رحلاته الخارجية واجراء حوارات مباشرة ممتدة معه، اضافة الى احتكاكه المباشر بالطاقم الرئاسي والدائرة الضيقة حول باراك اوباما، استطاع جولدبيرج ان يستعرض وجهة نظر متكاملة لسياسة الولايات المتحدة الخارجية تحت حكم باراك اوباما، من خلال تصرفات وردود افعال الرئيس والحلقة الضيقة من المساعدين من حوله لمختلف الاحداث في السنوات الخمس الماضية، بل وفي كثير من الاحيان عبر تصريحات مباشرة من الرئيس ورجاله.

يرتكز ريبورتاج جولدبيرج (ومقالة ديفيد سامويلز) على الحادث الاهم في سياسة باراك اوباما الخارجية، والتي سيتوقف عندها التاريخ طويلا: نهاية الاسبوع الاخير من اغسطس 2013، عندما قرر الرئيس الامريكي التراجع عن ضرب سوريا عسكريا.

منذ صيف العام السابق (2012)، وضع الرئيس الامريكي خطا احمر لنظام بشار الاسد: إن استخدم النظام السوري السلاح الكيماوي ضد شعبه، سيتدخل الجيش الامريكي. وبالفعل يعبر بشار الاسد الخط في 21 اغسطس 2013، عندما قامت قواته بقصف منطقة الغوطة، شرق دمشق، بصواريخ تحمل غازات كيماوية سامة (غاز السارين)، ليسفر الهجوم عن مجزرة انسانية كبرى، يتجاوز ضحاياها 1700 قتيل في بعض التقديرات.

يتحرك الاسطول الامريكي في شرق المتوسط، ويتوقع الجميع ان تُشن الغارات الامريكية على مواقع قوات الاسد في اية لحظة. لكن مساء الجمعة 30 اغسطس 2013، يصطحب أوباما كبير موظفي البيت الابيض’ دينيس ماكدونو‘ للتريض في الحديقة الخلفية للبيت الابيض، يعود بعدها ليعلن الغاء العمليات في سوريا، وسط دهشة و غضب من رجال وزارتي الخارجية و الدفاع الامريكيتين.. وبالطبع حلفاء الولايات المتحدة من الدول العربية.

وفي غضون ايام قليلة، يجمع لقاء صحفي بين جون كيري، وزير الخارجية الامريكي، وسيرجي لافروف، وزير الخارجية الروسي. يتساءل كيري عن استطاعة روسيا اجبار نظام الاسد على اخلاء سوريا من السلاح الكيماوي، وبالتالي تجنب الضربة العسكرية الامريكية المحتملة. على الفور يوافق لافروف، وفي الشهور التالية يتم بالفعل شحن مخزون الغازات الكيماوية إلى خارج سوريا.

تنسحب القوات الامريكية عن السواحل السورية، وتدريجيا ينحسر الاهتمام الامريكي بسوريا حتى يكاد ينعدم.

يتساءل جولدبيرج (ومن بعده سامويلز) عن سر تخلي اوباما وابتعاد بلاده عن خضم الازمة السورية. اجابات اوباما لمحاوريه كانت غير واضحة ومراوغة بخصوص دوافعه الحقيقية، وفي نفس الوقت جارحة ومهينة لحلفاء امريكا التاريخيين في منطقة الشرق الاوسط (بداية من دول الخليج، وصولا الي تركيا)، والذين لا يخفي اوباما ضيق ذرعه بهم. يصف اوباما الدول الخليجية بالـ free riders، أي الراكبون بالمجان الذي يدفعون بالولايات المتحدة إلى القيام بكل شيء على ارض الواقع، ولا يقومون بالمشاركة الفعالة ولا حتى تحمّل نصيبهم المعقول من المسئولية العسكرية، بشريا وماديا. ويصف اردوغان بالديكتاتور الذي تردد كثيرا في المشاركة مبكرا في الحرب السورية، والان يراوغ في محاربة تنظيم داعش.

من وراء الحوارات المباشرة، يستشف محاورو اوباما الاسباب الحقيقة في العزوف عن المسألة السورية: اولاها، عدم رغبة اوباما في استفزاز روسيا (خصوصا بعد العقوبات الاقتصادية العنيفة التي تفرضها الولايات المتحدة على روسيا منذ استيلاء الاخيرة على شبه جزيرة القرم)، خصوصا وأن سوريا تعتبر تاريخيا خاضعة للنفوذ الروسي منذ ستينيات القرن الماضي. السبب الثاني والأهم، هو رغبة اوباما في اتمام انجازه الدبلوماسي التاريخي: اتفاقية إيران النووية. فضربة امريكية قاسية للنظام السوري في 2013 كانت ستعطي حجة قوية للصقور في طهران كي ينسحبوا من الاتفاقية (والتي لم تنتهي مفاوضاتها حتى اواخر عام 2015).

 

محاور النقاش

 

  • ما تقييمك لتراجع الرئيس الامريكي صيف 2013 وتأثيره على مجريات الحرب في سوريا؟ مع العلم بأن اوباما بالأساس لم يكن يخطط لأكثر من ضربة عسكرية موجعة لنظام الاسد، ولم يكن ينوي التورط في الحرب السورية؟
  • هل من اهم اسباب تدهور الامور في الحرب السورية – كما يدعي اوباما – عدم التدخل الحاسم (والمبكّر) بقوات عسكرية كبيرة من الدول الخليجية وتركيا، على العكس من التدخل السريع والقوي لحلفاء الاسد، مثل حزب الله وإيران، واخيرا روسيا؟
  • كيف تتوقع تصرّف النظام السوري وحلفائه فيما تبقي من عمر فترة اوباما الرئاسية؟ هل تشتد الحملات العسكرية حتى تخضع سوريا تماما لنظام الاسد قبل مطلع العام المقبل وتولّي رئيس جديد للولايات المتحدة؟
  • لو استمرت الحرب في سوريا حتى تولّي الرئيس الامريكي الجديد في 2017، هل من المتوقع ان يتغير تدخل الولايات المتحدة في المنطقة إلى شكل أكثر حسما؟ ماذا لو كان الرئيس القادم هي هيلاري كلينتون، وماذا لو كان دونالد ترامب؟
Facebook Comments