الجاسوس العثماني

تخدير و جراحة

*الفصل الثاني*

 

السبت 3 ابريل 2010

 

وقف طويلا ممشوق القوام متناسق الجسد أمام المرآة، متسائلا عن الطريقة المثلي لانتحار إنسان في مثل طوله و وزنه. خضّب يديه بالكريم المعطّر، ثم دلك به فروة رأسه و هو يفكر في جدية.
إنها رياضته العقلية الجديدة في الأيام الثلاثة الماضية.
أول أمس تأمل في إمكانية الانتحار بواسطة الطاقة الحركية: رصاصة من مسدس أبيه عبر الصدغ أو من خلال الفم؛ أمس، فكّر في إمكانية استخدام الطاقة الكامنة و الجاذبية الأرضية، سواءً بالقفز من نقطة مرتفعة، مثل هضبة المقطم، أو حتى من فوق كرسيه الأثير مستخدما حبل ليف متين، متدلّ من السقف و طرفه الآخر ملتف بإحكام حول رقبته. اليوم سيتخلى بالكلية عن القوي الفيزيائية؛ و ها هو يقفز ذهنيا من ركن المكتبة الأيمن، حيث كتب العلوم الطبيعية، إلى ركنها الأيسر – الأكثر ازدحاما – و الذي أمضي مع كتبه الخمس عشرة سنة الأخيرة من عمره: ركن الكتب الطبية.
سيفكر اليوم في كيفية الانتحار عبر الطرق البيولوجية. أيهما أكثر فاعلية و أقل إيلاما: الانتحار عن طريق قطع وريد أو شريان أساسي، أم عبر خليط من عقار المورفين السحري و مُرخيات العضلات القاتلة؟
صفّف شعره إلى الخلف، فرقه عند اليمين، ثم عند اليسار؛ استقر هناك، تاركا خصلة معتبرة لتتدلي فوق حاجبه الأيمن. تحرك من موقعه أمام المرآة، و تجوّل في الغرفة الواسعة، الفاخرة التأثيث و المبطنة بسجاد إيراني تغوص فيه الأقدام. توقف أمام دولاب جرّار و جذب الدرفة لينكشف أمامه صف طويل من القمصان؛ فتح الدولاب التالي ليظهر صف آخر، لكن من البدلات؛ الدولاب الأخير احتوي ربطات العنق و اكسسوارات رجالية متنوعة.
القميص الأوف وايت و البدلة الفيرساتشي الكحلي ذات التقليمة الهيرنجبون، و في هذا اليوم الحار لابأس من التنازل عن ربطة عنق. ارتدي ملابسه أتوماتيكيا، في حين سرح عقله عائدا إلى موضوع اليوم.
صحيح أن طباّخ السم لابد له من تذوّق سمه، و صحيح أنه دونا عن غيره يستطيع أن يخطط لأفضل طرق الانتحار باستخدام العقاقير التخديرية المختلفة، من منوّمات و مخدرات و سموم، إلا أن طريقة الانتحار هذه غير مضمونة على الإطلاق. صحيح أنها ستكون أقل ايلاما، بل و قد تكتنفها بعض من أحاسيس المتعة الحسيّة لو أراد، لكنه لو أخطأ في المقادير أو طريقة الحقن، فإن هذه الطريقة ستتحول من طريقة سريعة رحيمة إلى أخرى أكثر طولا و أشد وطأة على النفس. هناك حالات (أشهرها حالات إعدام عدة في الولايات المتحدة الأمريكية) أخفقت فيها هذه الطريقة، و هناك شخص لم يمت قبل انقضاء خمس و أربعين دقيقة كاملة! خمس و أربعين دقيقة من الألم و العذاب المقيم، لا يتفوق عليها إلا الجحيم الأبدي الذي ينتظره من بعد ذلك.
زرر القميص و ألقمه فم البنطلون، ثم ربط عليه بالحزام.
فلتكن الوفاة السريعة الحتمية بالجراحة: ضربة سريعة حاسمة بمشرط جراحي حاد عبر الرقبة، من الأذن إلى الأذن. مرّر يديه عبر جذع رأسه، محاكيا الضربة، و ضاغطا إصبعه بقوة فوق الأجزاء الأكثر حيوية. دارت الدنيا من حوله للحظة، فرفع إصبعه بسرعة من فوق شرايين رقبته.
عاد إلى دولاب الإكسسوار و جذب ربطة عنق كحلي مقلمة بالأبيض، ربطها بسرعة حول عنقه النافر العروق و النابض في عنف، ثم استند إلى شباك الغرفة، يتطلّع إلى حديقة الفيلا الواسعة، ريثما يتمالك أعصابه التي توترت دون داع.
إنه حازم أحمد شاهين، الحاصل على الدكتوراه في التخدير و مدرس المادة بكلية طب عين شمس: إنسان غريب غير متآلف مع غيره من البشر، مستغني عن الجميع، سواء من أقربائه أو أقرانه، أو من المجتمع ككل؛ يكره البعض، يحتقر الأغلبية، و يستعلي على الجميع. توجد أسباب كثيرة لذلك، لكنه كفّ عن مناقشتها مع نفسه منذ زمن بعيد، و بمرور الوقت نُسيت الأسباب و بقيت المشاعر و السلوك. لذا هو زاهد في أي علاقات إنسانية مباشرة تربطه بهذا المجتمع الدنيء، و يكتفي بتمضية جل وقته في مشاهدة أفراده من أعلي: يراقبهم، يحلل شخصياتهم و دوافعهم، و من ثم يتنبأ بخطواتهم التالية، و عندما يصدق حدسه، يسخر من بساطتهم و سهولة التنبؤ بأفعالهم؛ و بهذه الطريقة يمنح نفسه معينا لا ينضب للاستعلاء على الآخرين طوال الوقت.
لكن استعلاءه و تكبره على الجميع، و إحساسه بالاستغناء عنهم، لا يعني بالضرورة رضاه الكامل عن نفسه. العكس هو الصحيح: يعرف أنه ليس على ما يرام هو الآخر، عقليا و أخلاقيا، لكنه يتجنب دوما مواجهة نفسه بنقاط الضعف تلك، خوفا من أن تهتز ثقته بنفسه، التي لو تأثرت لصار فريسة سهلة لأي فكرة أو حدث أو شخص. لذا لا يحاول تقييم نفسه أو أفعاله أبدا، يكتفي بما هو بديهي و واضح للعيان: هو الأفضل، الأذكى، و الأرقي تكوينيا و عقليا عن كل من حوله.
مزاجه العام يتراوح حول مستوي ثابت من القتامة و السوداوية، نزولا إلى الاكتئاب الكامل، و صعودا إلى مرات قليلة من الاسترخاء، و الذي يشعر به خلال جلسات نادي القرّاء (و التي يقوم من خلالها بقراءة روايات الجريمة و الغموض مع بعض أعضاء النادي، يناقشونها و يدحضونها و يكشفون نقاط الضعف فيها)، أو أثناء رحلات السفر، سواء داخل مصر أو خارجها، و التي ينفرد خلالها بنفسه و بالآثار و التاريخ. غير ذلك، لا يوجد في هذه الدنيا ما يصلح لبثّ الراحة، و نادرا السعادة، في روحه.
و اليوم – كما يبدو من بدايته – هو واحد من تلك الأيام القاتمة العادية.. يوم آخر من حياته الطويلة المملة التي لا تنتهي.
نظر حازم أحمد شاهين إلى نفسه اللامعة المتأنقة في غير إعجاب، بل و ببعض قرف. ارتدي جاكت البدلة على عجل و غمر ملابسه بعطر ’ارماني كود‘، ثم خرج إلى العالم البغيض.

 

****

قطع حازم الممر الواسع الممتد خارج غرفته، ليتوقف بعد عدة أمتار عند باب زاهي الطلاء، مزركش الإطار. نقر الباب مداعبا، و عند سماع الإذن بالدخول، دفع الباب و دخل و قد اكتسي وجهه بابتسامة محبّة، أنارت وجهه الوسيم
– صباح الخير يا ريم..
ريم هي أخته التي تصغره بخمس عشرة سنة كاملة، باهرة الجمال، ودودة، ظريفة؛ بالنسبة لحازم شاهين هي المنبع الوحيد للحياة و الراحة في هذا البيت، و لولا وجودها هاهنا لكان على أبعد بقعة على الأرض من هذا المكان الخبيث.
كانت ريم قد انتهت من ارتداء ملابسها و وضع المكياج، تجلس في انتظاره، تضرب أزرار هاتفها المحمول في سرعة، و نظرة لعوب تعلو محياها. انتبهت لدخوله، فدست الهاتف في حقيبتها و قامت
– صباح الخير يا بنجاوي.
– صباح الخير يا سيادة السفير.
…لأن ريم طالبة كلية الشئون الدولية و السياسات العامة بالجامعة الأمريكية.
– ينفع يعني انا اغلس عليك يا أبيه حازم و انت تكلمني باحترام كده؟ خليك كول يا دوك..
– لأ، يمكن تحسي على دمك و تبطلي استظراف.. واحدة عاوزة تبقي سفير ما ينفعش تقول كول و حاجات بيئة زي بنجاوي.
لوت وجهها ساخرة في تحدي، ثم أمسكت ذراعها مشاكسة و هي تبعدها عنه.
– أرجوك يا بنجاوي بلاش شكشكة تاني.. آه آه..
كانت تمازحه و هي تشير إلى ذكرى الحادث الأليم الذي تعرضت له منذ عدة سنوات: حادث السيارة الذي كاد أن يقضي على حياتها فعليا، و عليه هو معنويا و نفسيا.. ساعتها، كان هو أول من وصل مكان الحادث، و كان هو من وضع في ذراعها الإبرة الوريدية.
نظر حازم إلى اخته الهازلة في شك. صحيح أن ريم مرحة و شقية، لا تتورّع عن العبث و السخرية من كل شيء وأي شيء، لكن بعض الأمور تظل دوما و أبدا ’تابو‘ لا يجوز الاقتراب منه. مثلا؛ صراعاته الدامية مع أبيه، علاقات زوجة أبيه – والدة ريم – السرية، و بالطبع حادثة ريم و ما لحقها من مضاعفات مريعة.
ممتعضا، أزاح حازم كل الذكريات جانبا.
– انتي بتاخدي الدوا بانتظام اليومين دول؟
بالإضافة لكسور الساقين و الذراع اليسرى، أصيبت ريم بنزيف شديد على المخ، اضطرها لخوض عملية جراحية كبري، خرجت منها بخليط غير متجانس من الأعراض النفسية و العصبية: بداية من الاضطراب ثنائي القطب وصولا إلى حالات متقطعة من الصرع.
أطارت الذكري ملامح الشقاوة و المرح من وجه ريم في غمضة عين.
– ليه النكد ده على الصبح؟
التفتت تلتقط حقيبة يدها و اتجهت إلى الباب. أمسك ذراعها في حزم.
– بتكلم بجد… انت بتاخدي الدوا؟
– أيوه، ما انت عارف اني ماقدرش ابطلوا… مش ناوية اللي حصل آخر مرة يتكرر مرة تانية.
تقصد محاولة الانتحار التي مرّ عليها عام و فضيحة الأسرة وسط الجيران آنذاك (يتضمنون صفوة مجتمع مصر الجديدة من ساسة و رجال أعمال و للأسف أحد أشهر الصحفيين)، انتهى الأمر بحجزها شهرا في المصحة و تعرضها لكورس مكثف من العلاج بالحقن بأدوية لها أضرار جانبية بغيضة، تبدأ بالألم و لا تنتهي بالقيء و الليالي المتعاقبة الحبلى بالكوابيس المخيفة.. بالإضافة بالطبع إلى جلسات العلاج بالكهرباء المُنهكة و المتبوعة بحالة مزرية من الارتباك و فقدان الذاكرة.
– يعني انت كويسة؟
نظرت في عينيه في تحدي و جدية شديدين، لتُلقي بالرعب في نفس حازم لوهلة، لكنها لم تلبث أن قلبت ملامحها إلى الشقاوة و العبث مرة أخرى.
– ايه يا عم ما اعرفش ازاولك شوية؟
– تزاوليني! اوعي بس تزاوليني أدام مامتك بالطريقة دي و إلا هتكون واخداكي من إيدك على المصحة مرة تانية.
– خصوصا لو سمعتني باقول كلمة “ازاولك” دي..
– ده شيء أكيد.
خارج الغرفة، و عبر الممر و نزولا على الدرج، و ريم طوال الوقت تقصف أخيها الأكبر بسيل من الدعابات و الإيفيهات الشبابية، و هو يهزّ رأسه مبتسما و متجاوبا قدر استطاعته.
لسوء الحظ، و على غير هواه، لم تكن مراسم وجبة الإفطار قد انتهت بعد. في حين تيبست قدما حازم على الدرج، نزلت ريم في حيوية، و انطلقت تلثم رأس أبيها و خد أمها.
– صباح الخير يا بابي.. بنجور ماماه..
– ازيك يا روح بابا..
– Bonjour, ma chère
كان ثمة شاب أسمر معتد بنفسه، يرتدي بدلة أنيقة تظهر جسده الرياضي، طويل وسيم، واسع العينين جرئ النظرات، و على شفتيه ابتسامة مازحة واثقة. مدت ريم يدها إلى الشاب العريض البسمة في ود لا يخلو من دلال.
– حضرة النقيب أشرف.. بنجور يا فندم..
– ازيك يا مودموزيل ريم..
التقط النقيب يدها في ذوق و أدب، و انحنى نصف انحناءة، مستعرضا نظرة واثقة و مُصدّرا جانب وجهه الأيمن، حيث الآثار القديمة لحب الشباب أقل كثافة.
بعد أن جلست ريم بجوار أمها، التفت الجميع إلى الأخ المتيبس عند قدم الدرج.
متململا، تقدّم حازم من طاولة الطعام، سحب الكرسي المجاور لأبيه و المقابل لزوجة أبيه و جلس.
– صباح الخير يا سيادة اللوا، صباح الخير يا إيلين..
العجوز ذو الجسد العسكري المشدود هو والده، سيادة اللواء أحمد شاهين مدير أمن القاهرة الحالي، أما الحسناء الجالسة عن يمينه فهي إيلين، زوجة أبيه و والدة ريم، لم تتعدي التاسعة و الثلاثين من العمر و تكبر حازم نفسه بخمس سنوات فقط (فسيادة اللواء أحمد شاهين، و بعد طلاقه من والدة حازم مباشرة، تزوج إيلين و لم تتجاوز العشرين من عمرها بعد). هي امرأة طويلة، ممشوقة القوام، يكمن جمالها في تقاطيع وجهها الرقيقة، لكن بالأكثر في تعبيرات وجهها الذكية الجذابة؛ هي من أسرة راقية عريقة، تعبد الإتيكيت، لبقة و حواراتها مطعّمة بالفرنسية الباريسية.
ألقى حازم بنظرة قصيرة، ظاهرها اللامبالاة و باطنها الاحتقار، إلى الضابط الشاب الواقف في اعتداد بين يديّ والده، مطلعا إياه على بعض الأوراق الرسمية. أدرك نقيب الشرطة النظرة بكل تفصيلاتها، من غمضة العين المستهزئة إلى لوي الفم المشمئز. و كان هذا تصرفا لا داعي له، فالنقيب أشرف محجوب، ذراع اللواء اليمنى، و الذي ينتمي بدوره إلى اسرة محترمة (كل أفرادها شرطة أيضا) ضابط نشيط ناجح في مهنته، بل و لم يدس لحازم على طرف.. على الأقل حتى الآن. لكن من يعرف حازم جيدا يستطيع أن يتفهّم بسهولة سلوكه إزاء النقيب، كيف لا و من المعروف أن حازم يكره كل ما له علاقة بسلك الشرطة و أفرادها، من أصغر عسكري مرور وصولا لأبيه الجالس بجواره.
لكن النقيب أشرف لم يكن يعرف بمشاعر حازم المتأصلة فيه منذ الطفولة.. حتى و إن علم بذلك، فلم يكن هذا ليؤثر في مشاعر الضابط السلبية، و المتنامية باضطراد، تجاه الطبيب المتعالي.
أنهى اللواء مطالعة الأوراق بسرعة، ثم أمر ببدء الإفطار، داعيا النقيب أشرف لمشاركتهم الطعام. مُمتنا جلس الضابط في المكان الوحيد الخالي، إلى جوار حازم.
مبديا الود، قام النقيب بصب الشاي للجميع. بعد تقديم الشاي للّواء و لإيلين، تحوّل لخدمة ريم الجميلة، غامرا إياها بنظرات الودّ، و في ذات الوقت موجّها كلامه إلى الأخ العدواني.
– إيه اخبار الطب على حسّك يا دكتور حازم؟
– العادي..
مدّ أشرف يده بفنجان الشاي إلى ريم في سعادة بالغة، سرعان ما اختفت و هو يصب فنجان الشاي التالي. أكمل حواره الهامس إلى حازم
– العادي؟ يعني نفس سرنجتين التخدير، واحدة بتنيّم و التانية بتصحّي.. يا خوفي يكتشفتوا السرنجة الكومبو، اللي بتنيّم و تصحّي لوحدها.. ساعتها هيستغنوا عن نص دكاترة التخدير اللي في البلد.
ثم التفت مواجها حازم، معطيا إياه فنجان الشاي و ابتسامة سمجة تملأ وجهه، و غمزة عين ساخرة لا تُخطأ.
رمق حازم الضابط في احتقار، و أدار وجهه بعيدا دون تناول فنجانه و تاركا يد أشرف معلقة في الهواء. و دون أن يعتري وجهه أي تعبير معيّن، وضع أشرف فنجان الشاي على الطاولة، لكن و بحرفية تركه في وضع غير مستقر، لينزلق على الطبق و لتتناثر قطرات الشاي على بدلة و قميص حازم.
تطلع أشرف إلى حازم منتظرا ردة فعله العصبية، و مجهزا رده الهادئ المتسامح. نظر حازم بدوره إلى عينيّ أشرف و قرأ فيهما مراده، و لم يبخل عليه. استدار إلى أبيه
– يا ريت يا سيادة اللواء تقول للبودي جارد بتاعك يبطل استظراف.
التفت الأب مستنكرا
– بودي جارد؟ إيه قلة الذوق دي؟
ابتسم النقيب أشرف معتذرا
– الفنجان طرطش شاي غصب عني. أنا آسف
ساخرا، ضرب حازم ضربته
– ايه يا حضرة النقيب إيديك مهزوزة ليه؟ ده مش كويس خالص عشان الشغل.. تخيل لو كان في إيديك مسدس بدل الفنجان.. كان زمان المجرم هرب، و مش بعيد كان ضربك في مقتل
احتدّ الأب
– عيب كده يا حازم.. انت عديت الحدود
– أنا برضه يا سيادة اللوا، و لا اللي قاعد يسبّل لبنتك قدامك على السُفرة.. ده سيادة النقيب حتى مش قادر يستنى لما نخلص فطار..
و تكهرب الجو في لحظة. انقلب وجه النقيب أشرف غاضبا بالرغم منه، في حين هزت الزوجة رأسها في ضيق واضح، تمتمت
– Pas acceptable
سمعها الزوج و انحاز لرأيها دون تردّد.. دافعا طبق الطعام من أمامه في حدة، هتف في ابنه
– اتفضل يا حازم.. وجودك على سُفرة الأكل غير مرغوب فيه.
قام حازم من فوره و قد اكتسي وجهه براحة مصطنعة
– يووهو.. المرة دي قدرت تحقق رقم جديد يا سيادة اللوا.. دانا ما لحقتش اقعد خمس دقايق على السُفرة قبل ما تطردني.. شابو..
– للأسف، الشيطان ركب دماغك.. خسارة العمر اللي راح في تربيتي ليك..
– لا يا باشا التربية لسه بخيرها.. ضربات الحزام و الحديد المحمي لسه معلّمة في ضهري، و لو تحب ممكن اوريك تطّمن عليها..
لوت الزوجة وجهها بعيدا في امتعاض و ضغطت على يد الزوج حتى لا يتمادى. متمالكا غضبه بصعوبة، صرف اللواء ابنه بحركة من ظهر يده.
و خلفه، قامت ريم. مرتبكا قام النقيب خلفها
– انتي لسه ماخلصتيش فطارك يا مدموزيل؟
ابتسمت ريم معتذرة
– مكان ما يكون أبيه حازم، أكون أنا..
نظر الأب لها متوسلا، و الأم آمرة، لكنها تجاهلتهما و انصرفت خلف أخيها المنتصر.
بعد ربع ساعة من الصمت، انتهى الإفطار و قام النقيب أشرف ململما أوراقه و طالبا الإذن. بعد الاعتذار له عن سلوك ابنه المشين، ودّعه سيادة اللواء و زوجته. قطع الضابط البهو الواسع للفيلا، ثم اخترق الحديقة الكبيرة، متجها إلى البوابة الرئيسية. لكن قبل الخروج من الفيلا، حانت منه التفاتة ناحية باب الجراج.
لم يكن الأخ و الأخت قد رحلا بعد؛ كانت ريم جالسة وحدها في سيارة أخيها – الفورد مُستانج الحمراء، موديل 2008 – مشغولة بهاتفها المحمول. توقف النقيب أشرف مكانه مفكرا إذا ما كان مقبولا أن ينادي على ريم و يسلّم عليها مرة أخرى قبل الانصراف، لكن حفاظا على صورة الضابط الرزين، قرر أن ينصرف. لكن، و قبل أن يتحرك ناحية البوابة مرة أخرى، لمح حازم، قادما من بيت النباتات – الصوبة الزراعية – الواقع في طرف الحديقة الشمالي. و على الفور نسي ريم، و هيبته، بل و العالم أجمع. مدفوعا بحَميّة ذكورية بحتة، تحرك أشرف ناحية الطبيب حتى تقاطع طريقهما، و عندها همس في قوة و تحدّي
– أنا عُمر إيدي ما كانت مهزوزة يا دكتور.. و المرة الجاية اللي هتنسى نفسك فيها أوعدك إني أثبت لك بالدليل العملي.
توقف حازم و تطلّع إليه متحديا و مستهزئا
– انت مش متخيل انا مستني اللحظة دي قد إيه..
– ساعتها هاخليك تندم على كل كلمة تافهة قلتها و هاخليك تعرف مقامك الحقيقي يا دوك.. رجالة الشرطة مش عيال سيس بتلعب بالإبر و السرنجات.. كلامنا جد و خناقنا نار.. و صدقني مش هانسالك غلطك فيا قدام ريم، و إحراجك ليا و ليها و لأهلك.. إذا كانوا همّا ماعرفوش يربوك، أوعدك اني هاعرف اربيك كويّس.. لولا معزّتي لسيادة اللوا انا كنت فشـ…، و لا بلاش..
ثم أكمل طريقه ناحية البوابة و هو يشعر بالرضا الكامل عن نفسه. لقد لقن الطبيب المتكبّر درسا لن ينساه، حتى و إن تظاهر بالتماسك.. لكنه لم يكد يبتعد بضعة خطوات حتى باغته الطبيب
– إوعى تفتكر ان الحركتين اللي انت بتعملهم دول هيخيلوا عليا.. أنا عارف انك لا بتحب ريم و لا يحزنون.
توقف أشرف و التفت إليه في استنكار
– إيه الجليطة دي!
– واحد زيّك لا يمكن يفكر في ريم، مهما كانت جميلة، أو كانت بنت لوا كبير زي ابويا.. و مهما كان هو متسلق.
– و ده ليه ان شاء الله؟
– عشان المرض اللي عندها.. واحد زيّك، زي ألوف من عيّنتك عرف البنات أشكال و الوان، مش هيرضي في الآخر بواحدة صاحبة مرض، لأ و إيه مرض نفسي عصبي كمان.. اللي زيك ما يرضاش غير بحاجة زي ما بيقولوا مافيهاش خدش.
– إيه الطريقة المقرفة اللي بتتكلم بيها عن اختك دي.. أنا مش عارف هيا بتحبك و شايفاك مثلها الأعلى على إيه.. بس اسمح لي أصدمك و اقولك اني فعلا باحب المدموزيل ريم.
– كداب.. أنا عارف كل حاجة، و ممكن افضحك بسهولة، الحكاية و ما فيها إني مش فاضي اضيّع وقتي معاك.
هزّ أشرف رأسه ساخرا، أصدر صوتا منكرا من أنفه ثم اكمل طريقه إلى البوابة، لكن كلمات حازم التالية جمّدت الدماء في عروقه.
– أول امبارح، فندق فيرمونت، مطعم البلو لاجون، عند حمام السباحة..
توقف النقيب أشرف في مكانه متخشبا؛ التفت إلى حازم و على وجهه أمارات عدم التصديق و الصدمة. فتح فمه ليعترض، لكن حازم عاجله بالقاضية.
– حاجة بيتهيألي انها pas acceptable
و كأن قطارا صدمه فأرداه قتيلا. وقف الضابط مشلولا، مذهولا، لا يقدر على شيء.
عاد حازم إلى سيارته، صعد ثم أدار المحرك. التفتت أخته ناحيته متسائلة
– هو النقيب أشرف ماله واقف في مكانه كده؟ هو انت عملت فيه إيه؟
– مفيش.. اثبتّ له ان البدلة الرسمية و التلات دبابير و السلاح الميري مش كفاية عشان يبقي أجمد حاجة في الكون..
– نعم؟ أنا مش فاهمة حاجة..
– و إيه الجديد في كده..
لكزته في كتفه في غلّ. ابتسم في نصر، ثم انطلق بالسيارة من جراج الفيلا مباشرة إلى شارع صلاح سالم.

****

أوصل حازم شاهين اخته إلى أحد كافيهات شارع الثورة، حيث تلتقي زملاءها لإنجاز أحد مشاريع الكلية، ثم انطلق إلى عمله: مستشفى الدمرداش، المستشفى التعليمي لكلية طب عين شمس.
بعد اجتياز المرور الخفيف ليوم السبت وصل إلى الكلية في وقت معقول، تسلّل من بين سيارات الميكروباص المرابطة عند مدخل شارع لطفي السيد، و منه إلى الشارع الداخلي المفضي إلى المستشفيات، و المتكدّس دوما بأكشاك الباعة الجائلين. انتهى أخيرا إلى جراج المستشفيات الرملي – و الذي كان في وقت سابق منطقة ملاعب الكلية و متنفسها الوحيد – ترك مفتاح سيارته للسايس ثم ترجّل إلى مستشفى الجراحة.
متخطّيا رتل سيارات الأجرة الحُبلى بالمرضي و ذويهم، وصل حازم إلى بوابة المستشفى. ملابسه الراقية و مشيته الواثقة أمنّت له المرور التلقائي (دون سؤال من أمن البوابة الغير قادرين على التعرف على مئات الأطباء الداخلين و الخارجين كل يوم، من دون بادج أو بالطو أو ملابس عمليات، إلا من خلال الهيئة العامة للشخص). دون إبطاء لخطواته، اخترق حازم أسراب المرضي المنتشرين عبر باحة المستشفى و ممراتها الضيقة – أكثرهم ما بين متألم و تائه، و البعض محبط غاضب.. تتفاوت نسبة الغضب من نوع مكبوت مكتوم لا يظهر إلا على الوجوه، إلى آخر صريح بيّن، يبدأ بالسب و القذف، و ينتهي إلى المشاجرة و العراك في كثير من الأحيان، غالبا بالأيدي، و أحيانا بالأسلحة البيضاء، بل و النارية كذلك.
هنا أمضي الجزء الأكبر من سنوات عمره العشر الأخيرة: من سنين دراسة عملية، إلى سنة امتياز عقيمة، إلى سنوات التخصص العملي الثلاث، وصولا لعمله كمدرس مساعد و أخيرا كمدرس. أكثر الأيام كانت متعبة شاقة، بل و أحيانا سوداء، لكن البعض القليل منها كانت أيام متعة و تحقيق ذات، و تحمل له ذكريات لطيفة يجترّها في لحظات الصفاء.
متجاوزا الزحام الرابض عند المصعد، اتجه إلى الدرج و صعد إلى الدور الأول، ثم يمينا إلى وحدة عمليات الجراحة العامة.
و باجتيازه الباب الخارجي للوحدة، دخل حازم شاهين فعليا إلى بيته الثاني. استقبله سعيد، العامل المختص بالتعقيم، في سرور حقيقي؛ صافح يده منحيا ثم أدخله بسرعة إلى غرفة تغيير الملابس. من دولاب الملابس أخرج له بدلة عمليات، جديدة، دافئة الملمس، يتصاعد منها دخان المكواة فعليا. واقفا في احترام و تبجيل، قام سعيد بمساعدة حازم في تبديل ملابسه: متناولا قطع ملابسه التي يخلعها ، ثم بكل أدب يعلّقها على شماعة خشبية سليمة، ثم يضعها في حرص، خشية التجعد، في دولاب واسع.
في الطرف الآخر من غرفة تغيير الملابس، وقف طبيب جراحة مقيم يراقب الطقوس في استنكار؛ بداهة، هو لا يحلم أن يخدمه سعيد في تغيير ملابسه، فهو لا يزال يقبع أسفل السلم الوظيفي. لكن ماذا عن بدلة العمليات التي أعطاه العامل إياها من دقيقة واحدة، و البالية إلى حد مزري؟ يكفي دلالةً جيب قميصها المتدلي و الثقوب الثلاثة في البنطلون.
قبل أن يتذمر الطبيب، حديث العهد بالطب العملي، من فرق المعاملة، وجد العشرين جنيها تنتقل من يد حازم إلى جيب سعيد العامل (إنها نفحة حازم المعتادة للعمال). متمتما في إحباط، خرج طبيب الجراحة باحثا عن بكرة بلاستر ليلصق الجيب المتدلي و ليسد الثقوب الثلاثة.
ارتدي حازم حذاء العمليات – ذا مقياس القدم الصحيح و الجديد بطبيعة الحال – و غطاء الرأس و الفم، ثم عبر الخط الأحمر، متجها إلى غرف العمليات.
كان اليوم، الثالث من أبريل، هو اليوم الأول في ’الشِّفت‘ – التبديل الدوري لأطباء التخدير المقيمين في المستشفى. أعضاء هيئة التدريس هم المسئولون عن تعريف الأطباء الجدد بالمكان: توجيههم بخصوص استخدام أجهزة التخدير الخاصة بغرف العمليات، تعريفهم بالعمّال و التمريض، إرشادهم إلى أماكن الأدوية و المستهلكات الطبية، إضافة إلى تنبيههم إلى محاذير المكان و أوجه قصور العمل به.
هكذا المفترض حدوثه، لكن في الدمرداش ليس من المسلّمات أن تحصل على المفروض.
لذا، و دون مساعدة من أحد من الكبار، كان أطباء التخدير الجدد يهرولون في تخبّط، مستكشفين المكان و محاولين في نفس الوقت تجهيز غرف العمليات و تحضير المرضي – بتركيب الإبر الوريدية و مراجعة التذاكر الطبية – و في ذات الوقت كان عليهم التعامل مع أطباء الجراحة المتصارعين على انتباههم و على أولوية الدخول إلى غرف العمليات.
و وسط هذه الفوضى ظهر حازم شاهين، مدرس التخدير. بسرعة اتجهت إليه العيون؛ التخديرية طلبا للمشورة و المساعدة، و الجراحية آمرة بالبدء في اللستة الجراحية، و التي مضي على ميعادها الفعلي ثلاثون دقيقة ثمينة.
كان طبيب جراحة شاب يجذب حازم فعليا من كمّ بدلته،
– يا باشا اللستة متأخرة، و نواب التخدير لسه ما خلّصوش تحضير معظم أوض العمليات.. كده يا باشا محتاجين تمدّوا لنا وقت دخول آخر عيان ساعة كمان على الأقل..
– هيا اللستة لسه ما بدأتش؟
– بدأت، بس أوضة عمليات واحدة بس، كده مش هنعرف نلاحق على الشغل.
بهدوء جذب حازم يد الجراح الشاب و دفعه جانبا، ثم راح يبحث بعينيه بين الرؤوس المتحلقة حوله عن وجه معيّن، هو السبب الوحيد لحضوره إلى العمليات أصلا.
– هو فين دكتور طارق عبد الهادي؟ هو لسه ما وصلش؟
– ما وصلش ازاي يا دكتور.. ده أول واحد بيوصل، بيجي أصلا حتى قبل العمّال ما ييجوا.
– هو فين؟
– هو الوحيد اللي بدأ العمليات.. متعقم في اوضة 2، في عملية مرارة.
– طب وسّع لي عشان اعدي..
– طب و العمليات المتأخرة يا باشا؟
– مدرس مساعد التخدير موجود؟
– من بدري يا باشا، بس مش عارف يلم الموضوع لوحده.. لازم انت تساعده يا باشا..
– مش انت اللي هتقولي الشغل بيمشي ازاي.
– طب و اللستة هتبتدي امتي؟
– وقت ما تبتدي.. ده أول يوم لنواب التخدير في المكان، و طبيعي ياخدوا وقت..
– طب و الوقت الضايع؟
– زيه زي أي وقت ضايع في المستشفى.. زي الوقت اللي بيضيع لما أستاذ عندكم يتأخر عن العمليات عشان عنده سبّوبة بره أو لما انت بتروح تجيب سندوتشات ليك و لصحابك عشان تفطروا، و سايب العيانين في العيادة.
– طيب و حق العيانين يا باشا؟
– العيانين دول بيضيّعوا وقت و حقوق ناس تانيين زيّنا بالضبط؛ هتلاقي فيهم موظف الحكومة اللي بيعطّلك لغاية ما ياخد رشوة و سواق ميكروباص اللي بيكسر عليك في الشارع، يخبط لك العربية و بعدين ينزل يسب لك بالأب و الأم، و ضابط أو أمين الشرطة اللي بيطلع روحك لو وقعت في إيده من غير ما يكون معاك واسطة. من الآخر، محدش عنده حق عند حد.. و دلوقتي اتفضل يا دكتور وسع الطريق عشان عايز اعدي.
و مزيحا الجميع من أمامه، مضي حازم في هدوء، تاركا وراءه طبيب الجراحة يكاد ينفجر غضبا و حنقا.
بداخل غرفة 2، كان الطبيب الجراح طارق عبد الهادي منكفئا على جرح بطن المريض المسجى على طاولة العمليات، يخيّطه في حماس. هو رفيق الدراسة طوال سنين الكلية، صديق حازم الوحيد، و الشخص الثاني و الأخير ذو الأهمية في حياته بعد أخته ريم. في وجود طارق، يتحول حازم شاهين إلى كائن آخر، أكثر حيوية و انطلاقا و أقل كآبة و تعاليا.
طارق عبد الهادي شخص متوسط الطول، بدين، متهدل الكتفين، أسمر البشرة و متلعثم العبارة، خجول و متواضع؛ باختصار هو المقابل الجسدي و السلوكي الأدنى لحازم شاهين، الوسيم الرياضي، واثق الهيئة و العبارة.
– صباح الخير يا طروق..
– انت شرّفت أخيرا يا برنس الليالي.. ما لسه بدري؟ الدنيا بره خربانة مع التخدير و محتاجين مساعدة من الصبح..
– ما انت شغّال اهوه..
– الحمد لله حظي كويس، لقيت نايب تخدير ابن حلال جه العمليات قبل كده و عارف المكان، و رضي ينيّم لي الحالة على طول.. و اديني الحمد لله قفّلت الجرح اهو..
– آه.. دي حاجة ما تطمنش.. ربنا يستر.
خلع طارق الجوانتي الطبي ثم فكّ المريلة المعقمة
– أيوه طبعا، ربنا يستر في كل الأحوال، بس اشمعني؟
– أكيد طبعا، لما واحد اكتع زيك يخلّص عملية مرارة قبل ما انا أوصل، يبقي أكيد كروت و بهدل الدنيا جوّا..
– لأ، ظريف.. بتجيب الظُرف ده منين، أصله ناقص اليومين دول في السوق.
– ابقي تعالي و انا اقلك منين..
– هاها.. دانت باين عليك اشتريت ظُرف بالجنيه كله النهاردة.
– هاها.. دانت طلعت بتعرف تهزر، مش زي ما بيقولوا عليك..
– مين دول اللي بيقولوا؟
– العشر بنات اللي رفضوك..
– تصدق انت عيل واطي.. ابقي فكّرني لو جت لك الزايدة، أبقي اسيبها و اشيل بدالها حتة من لسانك اللي عاوز القطع.
تصافحا في محبة، و تبادلا المزيد من الدعابات و المشاكسات.
كان العمل في وحدة العمليات قد بدأ في الانتظام أخيرا، و بدأت الحالات تدخل تباعا، لكن و لأن طارق كان أول من بدأ، كان عليه انتظار بعض الوقت حتى دخول حالته التالية. لذا توجّه مع حازم إلى غرفة استراحة الأطباء، و هناك طلبا من سعيد العامل أن يحضر لهما كوبين من الشاي. سرعان ما تخليا عن مرحهما المؤقت، مسترجعين مزاج الكآبة، و الذي صار ملازما لهما في الفترة الأخيرة.
متحديا امتعاض طارق المعتاد من التدخين، أشعل حازم سيجارته.
– إيه يا حزوم؟
– إيه؟
– مفيش جديد؟
– هو احنا مش كنا مع بعض امبارح على القهوة.. جديد إيه اللي هيحصل من امبارح للنهاردة؟
– أنا زهقت.. انت ما زهقتش؟
– افتح عيادة أو اشتغل في مستشفى خاص..
– باخاف و ضميري بيأنّبني من عوأ الشغل الخاص.. طول الخمس سنين اللي اشتغلت فيها في الخاص و ضميري بيأنّبني. وصلت لقناعة اني ما اقدرش اشتغل و ضميري مرتاح في مكان بيتربّح من مرض الناس، خصوصا و إن أغلبهم فقرا مش لاقيين ياكلوا أصلا. مهما كان أصحاب المستشفى محترمين و مهنيين، فالربح دايما بيكون هو الهدف. الدمرداش رغم ضعف إمكانياتها و هرجلتها الإدارية، باقدر اعالج فيها المريض بالطريقة الصح اللي ترضي ضميري، مش اللي ترضي صاحب المكان و توفر له فلوس.
– اُم المثالية اللي بتتكلم عليها يا جدع.. خلاص، يبقي سافر..
– انت عارف اني مش بتاع سفر.. دانا خجول و باغرق في شبر مية هنا في الدمرداش، أمال بره.. ثم إني الحقيقة باحب ابويا و امي و اخواتي و مش ناوي اسافر عشان الفلوس و اسيبهم.
– خلاص، يبقي اتجوز..
تألقت عينا طارق، اعتدل في جلسته و قرّب رأسه من حازم، مبتسما في خجل
– أنا فعلا ممكن احتاج لك في الموضوع ده..
– خير؟ حد تخدير؟
– انت شوف نوابكم الجداد..
– في السريع كده.. دانا من الشارع عليك في أوضة العمليات.
– يا أخي خلّي عندك شوية ضمير و اشتغل شوية..
– يا بوب البلد دي الضمير ما بيجيش من وراه الا العطلة و قلة القيمة..
– يا أخي على ده تفكير.. و هتقول إيه لربنا يوم القيامة؟
– شكلي هاروّح بدري النهاردة.
– أقعد يا سخيف و بطل رخامة.
– اسمها إيه؟
– سمية.. بيقولوا دفعة أصغر مننا بسبع سنين..
– مش كتير سبع سنين..
– بس هي الحقيقة حلوة، و مؤدبة و لبسها محتشم، و شكلها متديّن..
– بس يا اهبل.. هو انت أي حاجة تخيل عليك كده..
– استني بس اما تشوفها.
– و المطلوب؟
– اعرف لي مرتبطة ولا لأ؟
– و انت ما بصيتش في ايديها ليه؟
– لابسة الجوانتي طول الوقت
– عاوزني اعرّفك عليها؟
– لأ، إلا دي..
خسف طارق رأسه على صدره
– بص يا حازم، و كده على بلاطة.. انت من أهم أسباب فشلي مع البنات.
– أنا!
– أيوه.. أي واحدة استلطفها في المستشفى و اجي اكلمها، تقوم باصة على دول..
و أشار إلى كرشه المتدلي و وجهه المتغضن القبيح.
– و بعدين تبص جنبي تلاقي واحد طويل، أبيضاني و حليوة.. تفتكر بيحصل ايه؟ على طول البنت تقوم مستقلاني..
– البنات اللي فاتت انطست في عينها، بس ده مش معناه ان مفيش بنات بتفهم..
– و لا انطست و لا حاجة.. مش هنضحك على بعض..
– يا راجل ما تقولش كده..
– دا غير اني بأبقى لبخة لما اتكلم.. و انت ابن كلب، لسانك مطلوق و كلامك موزون و شيك زي لبسك..
– بس دانت بتقول ان دمي واقف..
– البنات الهبلة بيفتكروه تقل و رزانة..
– خلاص يا عم سيبك مني، و انا عليا اختفي من حياتك شهر شهرين تلاتة، بس انت بس اعزمني على الفرح لما يؤون الأوان.
– انت بس اسألّي من بعيد، و بعد كده اختفي من العمليات خالص..
– و بقية اللستة و الضمير، و هاعمل ايه يوم القيامة؟ عاوز تدخلني النار؟
– لا يا اخويا دي مضمونة، ما تقلقش، مش هيفرق معاك النهاردة.. ثم مش بعيد تكون خدمتك ليا هي الحسنة الوحيدة اللي هتتكتب لك النهاردة وسط بلاويك المتلتلة.. نصحيتي ليك، ما تضيّعش الفرصة.
ضحك حازم، دسّ سيجارته في المطفأة، ثم قام ليعود إلى غرف العمليات، متفقدا و متقصّيا.
بعد خمس دقائق فقط عاد و معه الخبر اليقين.
– Vacant يا بوب..
تلألأ وجه طارق و قام و قد تورّد وجهه
– بجد..
– أنا عرفت ان عمليتك الجاية في اوضة 3.. ظبّطت لك و خليتها هي اللي هتقف معاك في الأوضة.
– شكرا أوي يا باشا.. قصدي يا حازم، أنا مش عارف اقولك ايه..
– قولّي يا بابا، و ممكن تبوس إيدي لو كنت غسلت بقك مطرح الشاي.
– غور ياض يا ابن الـ..
ابتسم حازم
– أنا هاخلع دلوقتي و هاروح اشيّش على قهوة شيبوب في العباسية.. لما تخلص العملية الجراحية و العملية العاطفية، ابقي تعالي.. هأستناك..
– ادعيلي يا حازم..
و قام طارق ليخرج من الغرفة متعثرا في خطواته، و قد أخذ وجهه في الاحمرار و أنفاسه في التسارع. تطلّع حازم لصديقه مشفقا، و خرج وراءه متمتما بدعاء سريع. عند الباب انفصلا، طارق عائدا إلى العمليات و حازم منطلقا إلى الشارع.
بعد عشر دقائق، كان حازم قد نسي كل شيء عن صديق عمره و نائبة التخدير و عن مستشفى الدمرداش كلها. جلس على مقهي شعبي في العباسية، يدخن الشيشة، يجتر الذكريات، و يفكر في الطريقة الرابعة المثلي للانتحار.

 

لمواصلة القراءة يمكنكم تنزيل الثلاثة عشر فصلا الأولى بصيغة pdf او epub. اضغط هنا.

Facebook Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *