الحرب العالمية الثانية – مقدمة

Play

 

مطلع القرن العشرين تمركزت أكبر و أغنى مدن العالم في أوروبا، القارة العجوز؛ شعوبها الأغنى و الأكثر تمتعا بمباهج الدنيا و علومها و فنونها، كيف لا و هم يديرون امبراطوريات العصر الحديث: لندن عاصمة الإمبراطورية الأكبر في التاريخ و اكبر مدينة على وجه الأرض (مستعمرات شاسعة في افريقيا، استراليا، كندا، و درة التاج، شبه القارة الهندية)، باريس مدينة النور و النار و عاصمة الإمبراطورية الفرنسية (مستعمرات تمتد عبر نصف القارة الافريقية، الهند الصينية في اسيا و مجموعة من الجزر عبر محيطات العالم)، برلين عاصمة القيصرية الألمانية (مستعمرات شرق و جنوب غرب افريقيا، و مستعمرات شرق الصين و ارخبيل غينيا الجديدة)، سانت بطرسبرج (القيصرية الروسية الممتدة عبر أوروبا و آسيا – اكبر مسطح ارضي متصل)، فيينا و بودابست (الإمبراطورية النمساوية المجرية)، مدريد (الامبراطورية الاسبانية الشاسعة التي تقلصت بعد الحروب النابليونية، ثم قُصت اجنحتها ابان الحرب الامريكية الاسبانية 1898)، لشبونة (الامبراطورية البرتغالية المنكمشة بعد خسارة البرازيل و ان احتفظت بمستعمرات افريقية)، أمستردام (الامبراطورية الهولندية و مستعمراتها في جزر الهند الشرقية)، بل و بروكسل (المملكة البلجيكية و مستعمرتها الشاسعة على ضفاف نهر الكونغو).. كلها مراكز ازدهار فني و ثقافي و اقتصادي كما لم تعرف الحضارة الإنسانية من قبل. حتى الولايات المتحدة الكبرى الواقعة خارج القارة (و التي تمددت مع مطلع القرن عبر المحيط الاطلنطي و الهادئ لتنتزع كوبا و بورتوريكو و الفليبين و جوام)، خارجة من رحم القارة العجوز و تنتمي لها ماديا و فكريا و روحيا.

Continue reading “الحرب العالمية الثانية – مقدمة”

قصة اليهود – سيمون شاما

في عام 2013، عرضت قناة بي بي سي 2 البريطانية سلسلة تسجيلية من خمس أجزاء للمؤرخ البريطاني المخضرم سيمون شاما Simon Schama. السلسلة لاقت اهتمام جماهيري كبير، و اشادة و حفاوة نقدية عالية بما اعتبره الكثير من النقاد و المشاهدين أهم اعمال المؤرخ الشهير.

كان موضوع السلسلة التسجيلية بالغ التشعّب، ايضا شائك و حساس.. اختيار البي بي سي لسيمون شاما، دونا عن غيره، للقيام بالمشروع الكبير كان موفق بدرجة كبيرة، و ده لسببين:

الأول، ان سيمون شاما قامة راسخة في عالم اكاديميا الدراسات التاريخية؛ خريج جامعة كامبريدج العريقة، بعد كده محاضر فيها و في اوكسفورد، إضافة إلى استاذيته في جامعة هارفرد الشهيرة، و حاليا أستاذ في مادة التاريخ و تاريخ الفنون في جامعة كولومبيا بنيويورك. كمان الرجل نجم من نجوم المجتمع في بريطانيا و الولايات المتحدة: له عشرات الكتب التاريخية اللي حظيت بمرتبة الـbestseller، إضافة لعدد معتبر من السلاسل التسجيلية على قنوات البي بي سي البريطانية (و اللي اتعرضت تباعا على القنوات الامريكية زي PBS)، منها: سلسلة تاريخ بريطانيا (على 3 مواسم)، سلسلة قوة الفن (او سطوة الفن)، سلسلة مستقبل أمريكا، و غيرها كتير. يتميز الرجل بتنقيبه عن التفاصيل الإنسانية الصغيرة و الحميمة وسط الأحداث الكبرى و سرده للتاريخ بطريقة ملحمية مؤثرة، و قدرته على استثارة مشاعر الناس و انتباههم بأسلوب درامي لطيف. الرجل حكّاء من الطراز الأول.

السبب الثاني لاختيار سيمون شاما بيتعلق مباشرة بموضوع السلسلة التسجيلية، و اللي هو: “قصة اليهود” The Story of the Jews، ده لأن سيمون شاما نفسه يهودي من بيت محافظ و من أصول يهودية عريقة: امه اشكينازية من شتيتلات (shtetel) ليتوانيا (قُرى اليهود في روسيا و شرق و وسط اوروبا)، و ابوه سفارديم من يهود سميرناه (أزمير، تركيا حاليا) بل و جدوده عايشوا ظهور شبتاي زيفي نفسه في القرن السابع عشر (قراء الجاسوس العثماني عارفين طبعا الرجل ده يبقى مين 😊

Continue reading “قصة اليهود – سيمون شاما”

الحرب الأهلية الإنجليزية: الحلقة الخامسة – مناقشة السلسلة

Play

بعد ما خلصنا، خلونا نطرح بعض النقاط للمناقشة، و أحب اسمع رأيكم فيها

  • من بداية الخلفيات التاريخية للأزمة، ايه رأيكم؟ يا تري شايفين فعلا ان تحدي الملك هنري التامن لبابا روما و فصل الكنيسة الانجليزية كانت حركة تستاهل – طبعا بالتغاضي عن القرائن اللي بتشير للنوازع الشخصية للملك؟ هل  تطويع الملك للمؤسسة الدينية لتحقيق رغباته افاد انتشار البروتستانتية في إنجلترا فعلا، و لا كانت هتنتشر كده كده زي أماكن تانية في أوروبا، زي الدول الاسكندنافية و اسكتلندا؟
الملك شارلز الأول – ملك انجلترا و اسكتلندا إبان الحرب الأهلية

طيب، بخصوص الاسباب المباشرة للأزمة و نشوب الحرب الأهلية:

  • هل إصرار الملك تشارلز الأول على تطبيق كتاب الصلوات في اسكتلندا، رغبة منه في توحيد دين الدولة لإنجلترا و إسكتلندا، توطئة للوحدة في المستقبل، خطوة صح و غلط من الأول؟
      • هل كان من حق البرلمانيون النفور من الملك لعدم تقربه منهم و لتعاليه عليهم و عدم معاملتهم بمساواة مع اصدقاءه من الحاشية و اللي بينتموا لطبقة النبلاء؟ و لا دي تعتبر مغالاة منهم بالمطالبة بحقوق هما ما يستحقوهاش اصلا؟ مش يمكن الملك كان بيقرب الأكثر خبرة و موهبة و كان بيكافئهم على خدماتهم للعرش و البلد؟ كمان، هل ضيق البرلمانيين بالملك يسمح لهم بمعاندته في حقوقه الملكية المتعارف عليها وقتها، و حرمانه من أموال الضرائب الضرورية لتسيير البلاد و شن الحروب المصيرية؟ و هل ده يبرر لهم محاكمة اصدقاءه و المطالبة باعدامهم، و حرمان الملك من ممارسة صلاحياته في أوقات عصيبة زي التمرد في اسكتلندا و ايرلندا، بل و انشاء جيش مضاد للملك و التحالف مع أعداءه في أوقات كتيرة؟
      • و لا الغلط كله جاي من الملك شارلز الأول و عدم تواصله مع طبقة النبلاء اللي بيكونوا البرلمان، و تعاليه المستمر عليهم، إضافة لخطواته غير المحسوبة، و إعطائه الفرصة مرارا و تكرارا للبرلمانيين للتشنيع على كل خطوة من خطواته.




 

الفترة دي كانت فيها أفكار كتير متصارعة و على أساسها قامت الحرب:

Continue reading “الحرب الأهلية الإنجليزية: الحلقة الخامسة – مناقشة السلسلة”

الحرب الأهلية الإنجليزية: الحلقة الرابعة – الكومنولث و المحمية (البروتكتوريت) الإنجليزية

Play

 

الحرب الأهلية الإنجليزية اندلعت في 1642، و انتهت 1651، لكن بيتم تقسيمها لتلات مراحل او تلات حروب أهلية: الأولي من 1642 -1646، و التانية 1648-1649 و التالتة 1649-1651.

في بدايات الحرب الأهلية الأولي و لفترة كبيرة نسبيا – من 1642 لـ 1645 – كانت المعارك غير حاسمة.. كل

القائد العسكري و اللورد بروتكتور: اوليفر كرومويل

مرة طرف بيكسب، لكن الانتصارات في المعارك كانت بتبقي غير مكتملة لانعدام خبرة جيوش الطرفين و لقلة التنسيق بين القوات، لحد ما البرلمان عام 1645 اصدر مرسوم بتوحيد كل قواته تحت قيادة مشتركة في جيش جديد، اسمه الـ New Model Army تحت قيادة اللورد جنرال السير توماس فيرفاكس، و تحتيه مباشرة، القائد و الشخصية الأشهر في الفترة دي كلها، الجنرال أولفير كرومويل. و تحت التنظيم الجديد الموحد، ابتدت انتصارات جيش البرلمانيين تكون اكبر و تبقي حاسمة اكتر، و في صيف نفس السنة، تم تدمير جيش انصار الملك شارلز في معركتي ناسبي Naseby و لانجبورت Langport. حاول الملك يجمع شتات جيشه مرة تانية، لكنه فشل، و في الأخر لجأ للاسكتلنديين طلبا للحماية، لكنهم بعد فترة بسيطة سلموه لقوات البرلمانيين، ليتم حبسه، و بكده تنتهي الحرب الأهلية الأولي عام 1646.

لكن بعد انتهاء المعارك، و اثناء انشغال البرلمانيين بالتفكير في كيفية تسيير الأمور، استغل الملك انشغالهم عنه، و قدر يهرب، و انه يعيد اتصاله بالاسكتلنديين. و بناء على اتفاق بينهم في ديسمبر 1647، وعد الاسكتلنديين بغزو انجلترا و إعادة شارلز الأول على العرش و استعادة سلطاته مقابل اصلاح الكنيسة الاسكتلندية على الطريقة المشيخية الـPresbyterian.




 و بالفعل، بالتنسيق ما بين الملك و أنصاره على الأرض،  بدأت المظاهرات و الاحتجاجات تندلع فجأة في مناطق إنجلترا و ويلز المتعاطفة مع الملك، و تزامن معها غزو الاسكتلنديين في صيف 1648، إضافة لتمرد بعض قوات البرلمان اللي مقبضتش مرتباتها و اللي انقلبوا لصف الملك. لكن البرلمانيين لموا شتات امرهم بسرعة، و سلطوا على القوات المتمردة بطلهم المخضرم و الحاسم جدا، أوليفر كرومويل، عشان يأدبهم، في حين اتجه القائد العام، اللورد جنيرال فيرفاكس لقمع العصيان. بعد كده اتجه كرومويل لصد الغزو الاسكتلندي، و بالفعل هزم قوات انصار الملك و الاسكتلنديين هزيمة ساحقة أنهت الحرب الأهلية الإنجليزية التانية.

و هنا تبدأ ازمة اكبر من كل اللي فات.

Continue reading “الحرب الأهلية الإنجليزية: الحلقة الرابعة – الكومنولث و المحمية (البروتكتوريت) الإنجليزية”

الحرب الأهلية الإنجليزية: الحلقة الثالثة – الملك شارلز الأول و البرلمانيون

Play

شارلز، اللي هيبقي بعد كده الملك شارلز الأول، ماكنش المفترض انه يكون ولي عهد، لأنه الابن التاني للملك جيمس الأول، و بالتالي ماكنش بيتم تربيته و تنشئته على اعتباره الملك المقبل. عشان كده كان متساب في حاله يعيش زي ما هو عايز، و اللي هي حياة منعزلة بشكل كبير. لغاية ما أخوه الأكبر مات فجأة و لقي نفسه ولي العهد، و من بعد وفاة والده، بقي شارلز ملك على عرشين لبلدين مختلفين عن بعض: مملكة إنجلترا و من ضمنها ويلز و ايرلندا، و مملكة اسكتلندا.

الملك شارلز الأول – ملك انجلترا و اسكتلندا إبان الحرب الأهلية

و بفضل شخصيته الانعزالية، شارلز الأول ما كنش ليه أصدقاء كتير من طبقة الارستقراطيين و النبلاء، لكن اللي كان صديق ليه منهم كان بيقف في صفه و يساعده و ينصره لأبعد الحدود، و ده اللي بيخلي اصدقاءه المعدودين دول يخالفوا القانون بأريحية، و يتمادوا في تجاوزتهم من غير أي اعتبار لا للقانون و لا لطبقة النبلاء. و ده طبعا ادي لاستعداء البرلمانيين الانجليز اللي بينتموا أصلا للطبقة دي. تصرفات الملك المتعالية و تصرفات افراد حظوته المتمادية في مخالفة القانون، إضافة للتاريخ الشائك ما بين الملك و البرلمان من ساعة ما رفضوا جوازه من الأميرة الاسبانية، خلت العلاقة ما بين الملك و طبقة النبلاء اللي بتكون البرلمان علاقة غير ودية من البداية و لحد النهاية المأساوية. كل طرف متربض بالتاني. فضل الملك الشاب شارلز الأول يستدعي برلمان وراء التاني على امل انه يكون مهاود معاه في موضوع الضرايب. و برغم تغيير كتير من أعضاء البرلمان في كل مرة، كان كل واحد بيطلع اشد و اكثر تعصبا من اللي قبليه، لغاية ما قرر شارلز الأول انه يحل البرلمان و ما يدعيش أي برلمان تاني لفترة طويلة، وصلت لحداشر سنة، في ما يطلق عليه “فترة الحكم الشخصي” للملك، اللي هي بتعبيراتنا دلوقت، فترة حكم دكتاتوري. و في الفترة دي اضطر الملك الشاب انه ما ينخرطش في أي حروب او أي نشاط يحتاج تمويل كبير، فعقد السلام ما بينه و ما بين فرنسا و اسبانيا، و بكده أبعد إنجلترا و اسكتلندا بدرجة كبيرة عن الحرب الطاحنة في اوروبا في الوقت ده، اللي هي حرب الثلاتين عام، و اللي اندلعت في الفترة ما بين 1618 – 1648.




المهم الملك، شارلز الأول، المتغاظ من البرلمان، كان لازم برضه يلاقي طريقة يلم بيها فلوس عشان مايبقاش قاعد كده مقصوص الجناحين، فبدأ يلجأ لطرق ملتوية لجمع الأموال. مثلا: اللي هيتم تنصيبه و حصوله على لقب من النبلاء لازم يدفع رسم تنصيب، و اللي مش عاوز يحصل على اللقب، يدفع غرامة انه رفض يحضر قدام الملك. المدن الساحلية كانت بتدفع رسم حماية للقوات البحرية، لأ مش كفاية، لأن القوات البحرية بتحمي البلد كلها، يبقي كل المدن تدفع.. و هلم جرا.

Continue reading “الحرب الأهلية الإنجليزية: الحلقة الثالثة – الملك شارلز الأول و البرلمانيون”

الحرب الأهلية الإنجليزية: الحلقة الثانية – الخلفيات التاريخية

Play

جذور الحرب الاهلية الإنجليزية سياسية و دينية في آن واحد، و بترجع لما قبل اندلاع الحرب بأكتر من 120 سنة. يبدأ الموضوع بملك إنجلترا المتهور و العنيف، الملك الشهير هنري التامن، و رغبته عام 1527 في تطليق زوجته و التزوج من محبوبته آن بولين، رغبة منه في انجاب طفل ذكر لتولي العرش من بعده.

الملك هنري الثامن

و لأن إنجلترا و ملكها في الوقت ده كانوا على المذهب المسيحي الكاثوليكي، هنري التامن ما كنش يقدر يقدم على الخطوة دي من غير طلب السماح من بابا روما.. لكن البابا كليمنت السابع، بابا روما في الوقت ده رفض طلب الملك الإنجليزي رفض بات. و لأن الفترة ده هي نفس فترة شيوع حركة اصلاح الكنيسة، الـReformation، او ما يعرف بالحركة البروتستانتية، فهنري التامن، قرر ركوب الموجة و اعلن انفصال كنيسة إنجلترا عن روما بحجة الاصلاح الكنسي، و قام بتنصيب نفسه على رأس الكنيسة الانجليزية عام 1536، و طلق مراته و اتجوز تاني.. بل و تالت و رابع و خامس و سادس. لكن برغم الحركة اللي عملها هنري التامن، الا انه كان كاثوليكي بالفعل و ما حاولش القضاء على الكاثولوكية في انجلترا، لكن تصرفه ده سمح للحركة الإصلاحية (اللي هي البروتستانتية) بالانتشار في إنجلترا. و بالفعل تحت حكم ابنه، ادوارد السادس، بدأت البروتستانتية في الانتشار و الإصلاح الكنسي بدأ ياخد طريقه، و ان كان التطور ده وقف على ايد اخته الكبيرة الملكة ماري الأولي، اللي اتولت العرش بعده و اللي قمعت البروتستانت بقسوة. لكن فترة حكمها كانت قصيرة. و بعديها جت الملكة اليزبيث

الملكة اليزبيث الأولى

الأولي، البروتستانتية، و اللي أكملت عملية الإصلاح الكنيسي و خضوع الدولة تدريجيا، وان كان ببطء، نحو اعتناق البروتستانتية. بداية الاضطراب كانت بعد وفاة اليزبيث الأولي، و اللي عهدها كان عهد رخاء و تسامح و ازدهار أدبي و فني كبير (مثلا ظهور شكسبير و النشاط الكبير للحركة المسرحية و الأدبية في عهدها)، و انطلاق حملات استكشاف و انشاء المستعمرات في العالم الجديد، خصوصا أمريكا الشمالية.




لكن اليزبيث الأولي ما اجوزتش، و كل عيلة تيودر العريقة ما فضلش فيها أي ولي عرش، لا من صلب ادوارد السادس و لا ماري و اليزبيث. و بالتالي اضطروا يدورا وراء في النسب، لحد ما وصلوا لسلالة أخت الملك هنري التامن، و يطلع الوريث الشرعي هو جيمس السادس، ملك اسكتلندا، و بكده يتولى عرش إنجلترا و يبقي جيمس الأول، ملك إنجلترا و جيمس السادس ملك اسكتلندا. ملك على رأسه تاجين، بيحكم بلدين منفصلين قانونيا و برلمانيا و كنسيا.

Continue reading “الحرب الأهلية الإنجليزية: الحلقة الثانية – الخلفيات التاريخية”

الحرب الأهلية الإنجليزية: الحلقة الأولى – مُقدمة السلسلة

Play

 

الحدث التاريخي، بالغ الأهمية، اللي هنتكلم عليه النهاردة هو ما يعرف بالحرب الاهلية الإنجليزية، و اللي دارت ما بين الملك الإنجليزي شارلز الأول و اتباعه من الملكيين، و البرلمان الإنجليزي و اتباعه من المتمردين على الملك.. حرب طاحنة شملت مش بس إنجلترا، لكن أيضا ويلز و اسكتلندا و ايرلندا. قدرت خسايرها البشرية باكتر من 85 الف قتيل، ده غير الدمار المروع في الممتلكات. لكن التأثير التاريخي للحدث ده و الفترة دي مش مقتصر بس على مضمونها الحربي من معارك و أسلحة، و استراتيجيات و تكتيك، و طبعا خساير في الأرواح و الممتلكات؛ كمان كان ليها تأثير عظيم على مسار إنجلترا التاريخي. عشان كده الفترة دي لها مسميات تانية كتير غير كونها حرب أهلية.. يعني مثلا الاكاديميين المحافظين اللي كتبوا الموسوعة البريطانية عام 1911، بيطلقوا علي الفترة دي اسم، التمرد العظيم، اما اليساريين فبيطلقوا عليها اسم، الثورة الإنجليزية.

الحرب الأهلية الأنجليزية (1642-1651)
الحرب الأهلية الأنجليزية (1642-1651)

الحرب الاهلية الإنجليزية و رغم أهميتها التاريخية البالغة، الا انها مش واخدة حقها في الشهرة، و دي لأسباب عديدة، منها بعدها الزمني عننا في الوقت الحالي، و ده لأنها دارت ما بين 1642 و 1651، إضافة لإن فترة تأثيرها المباشر انتهت عام 1660. كمان و برغم التغييرات السياسية و الدينية المهولة اللي حصلت في الفترة دي، الا ان الشكل السياسي لأنجلترا رجع زي ما كان: يعني إنجلترا ملكية و صحيح انها اتحولت لجمهورية في النص، لكنها في الأخر عام 1660 رجعت ملكية تاني. كمان من أسباب عدم الاهتمام بالحدث اللي معانها النهاردة هو انه يبان، من بدايته لنهايته، على انه صراع محلي بين قوي انجليزية متناحرة، و ان مالوش تأثير على الساحة الأوربية و الدولية.




 

 طبعا الكلام ده مش صحيح.. الفترة دي كانت في غاية الاهمية، أولا لأنها اول حرب أهلية انجليزية تقوم – مش عشان تحدد مين اللي هيحكم – لأ، عشان تحدد طريقة الحكم ازاي، و اللي هتأدي بعد فترة مش كبيرة قوي، لصدور وثيقة الحقوق عام 1689، و الي أرست قواعد الحكم الديمقراطي لأول مرة في دولة عظمي في العصر الحديث، و اللي عن طريقها هيكون الحكم عن طريق أعضاء برلمانيين منتخبين (فيه دول اقدم في تطبيق الديموقراطية في العصور القديمة، بل و في العصور الحديثة كمان، لكنها ماكنتش فعالة و لا ذات تأثير زي النموذج الانجليزي). كمان خلال الفترة دي، و لأول مرة بيتم تداول مفهوم الأحزاب المتنافسة على السلطة.

الحرب الأهلية الأنجليزية فعلا اكبر من كونها حرب أهلية محلية..

  Continue reading “الحرب الأهلية الإنجليزية: الحلقة الأولى – مُقدمة السلسلة”

بودكاست: دردشة في التاريخ

Play

 

قراءة التاريخ، زي تلقي الدين. المصدر الأساسي بيكون واحد، سواءً حدث تاريخي معين او نص ديني محدد، لكن تأثير أي منهم، بيعتمد على طريقة تقديمه و شخص المتلقي و الظروف المحيطة.

البشر بيختلفوا عن بعض، عقليا و أخلاقيا و معنويا، اعتمادا على خلفياتهم السابقة، ناهيك عن الظروف اللي الواحد منهم بيتلقى فيها معلومة معينة.. و ده بيخلي فهم الأشخاص لنفس الحدث او النص الديني، و تخيّلهم لمعناه و دلالته بيختلف من شخص لأخر. فهمهم ده هيثير في نفوسهم مشاعر معينة، و المشاعر دي هي اللي هتكون المحرك لتصرفاتهم المستقبلية، سواء تجاه انفسهم او المجتمع المحيط.

 

ايه الهدف من البرنامج/البودكاست ده؟

Continue reading “بودكاست: دردشة في التاريخ”

عرض كتاب ’الملاك: الجاسوس المصري الذي انقذ إسرائيل‘ – يوري بار-جوزيف

انبهرت قديما بقصة ’رتشارد سورج‘ – الصحفي الألماني و الجاسوس السوفيتي الأشهر إبان الحرب العالمية الثانية – لقدرته المذهلة في تكوين شبكة من الجواسيس تربطهم علاقات اجتماعية و سياسية مُتشعبة مع صفوة المجتمعين الألماني و الياباني، ليستطيع من خلالهم سبر أغوار دوائر صنع القرار في برلين و طوكيو، و الوصول لأدق المعلومات و اكثرها حيوية. أفادت مجهوداته الاتحاد السوفيتي أعظم افادة، أولا عبر تحذيرهم من الغزو النازي المرتقب، ثم لاحقا عبر تطمينهم من ان اليابانيين لن يهاجموهم، ما سمح للسوفييت من توجيه جزء كبير من قوتهم العسكرية الضاربة من الشرق إلى الغرب للمشاركة في معركة موسكو المصيرية. و بذلك يُغير سورج من سير الحرب العالمية الثانية لصالح الاتحاد السوفيتي، ليستحق عن جدارة لقب ’الجاسوس الذي انقذ السوفييت‘.

غلاف الكتاب

المثير للسخرية – و المرارة في آن واحد – أننا نملك في تاريخينا جاسوسا محنكا لا يقل أهمية و لا فاعلية عن ريتشارد سورج، بل و يفوقه كفاءة في قيامه بكل المهام بنفسه دون اعتماد على أي شبكة جواسيس، ما وفر له السرية اللازمة لفترة طويلة حتي تقاعد عن التجسس بمحض أرادته، ليتفرغ لتكوين إمبراطوريته المالية. جاسوس أسطوري استطاع ان ينقذ دولة صغيرة – لا يتجاوز تعداد سكانها في ذلك الوقت الثلاثة ملايين نسمة – من اكتساح عظيم كانت ستنفذه جارتين تفوقانها سكانا و جيشا و عتادا. جاسوس استطاع أن يُسرب معلومات و خطط غاية في السرية مكنت الدولة التي يتجسس لها من تفادي كوارث عدة ليس فقط من الدولة التي يتجسس عليها، بل و من دول أخري عبر شبكة علاقات متشعبة تجمعه بالفاعلين الاساسيين، لينقل لـدولة ’اصدقاءه‘ اخبار التحالفات التي تدور من حولها في منطقة عدائية. تَطلُع شمس كل نهار و قد أصاب سكان تلك المنطقة المعادية الصدمة و الحسرة و الغضب من وجود مثل تلك الدولة الصغيرة في وسطهم، دون أن يقدروا على فعل أي شيء بحيالها. أسباب عدة تفسر تفوق تلك الدولة و عجز هؤلاء الملايين، المندهشين من وجودها حتى هذه اللحظة: الجهل و شيوع الظلم و الديكتاتورية من أهم الأسباب.. كذلك وجود خونة من طراز هذا الجاسوس النادر.

كفاءة هذا الجاسوس و نجاعة تسريباته اعتمدت على تركيبة سحرية لابد و ان تُنجح أي عمل من هذا القبيل: أن يشغل الجاسوس منصبا قريبا من مراكز صنع القرار + أن يكون جهاز المخابرات الذي يديره قديرا، يعمل تحت الضغط و المراقبة ليل نهار، لا يتهاون مع الأخطاء و لا يتوانى في حفظ مصادره و حمايتها بكل ما أوتي من قوة. المفترض أن تتضمن هذه التركيبة السحرية أيضا عنصرا مهما هو الانتماء سواء كان ايدلوجيا او عرقيا او دينيا للدولة التي يعمل الجاسوس لحسابها. لكن يحل محلها هنا المال فقط. حتى هذا الحافز للخيانة لا يعود موجودا بعد اقل من أربع سنوات على بداية تعاون الجاسوس مع جهاز المخابرات، ذلك لأنه أثرى نفسه ذاتيا بعد ذلك.

الجاسوس هو أشرف مروان، صهر الرئيس المصري جمال عبد الناصر، و مدير مكتب خلفه في الرئاسة، أنور السادات. و جهاز المخابرات هو الموساد الإسرائيلي. إذا كان ريتشارد سورج هو ’الجاسوس الذي أنقذ السوفييت‘ فإن أشرف مروان هو ’الجاسوس الذي أنقذ إسرائيل‘. أو هكذا يدعي أستاذ العلوم السياسية في جامعة حيفا، يوري بار جوزيف في كتابه المُزلزل، ’الملاك: الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل‘. الكتاب صدر بالعبرية عام 2010، و صدرت طبعته الإنجليزية (المَزِيدة) مؤخرا، أغسطس 2016.




لكن القصة هنا ليست مجرد قصة خيانة و تجسس، بل يكتنفها الكثير من الغموض و الالتباس.. و الكثير و الكثير من المعلومات و المفاجآت الصادمة.

Continue reading “عرض كتاب ’الملاك: الجاسوس المصري الذي انقذ إسرائيل‘ – يوري بار-جوزيف”

صالون مايو

السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الأزمة السورية

 

في عدد ابريل من مجلة ’The Atlantic‘، نُشر ريبورتاج سياسي هام للصحفي المخضرم ’جيفري جولدبيرج، يقوم من خلاله بسرد سريع (وتقييم مقتضب) للسياسة الخارجية للرئيس الامريكي باراك اوباما طوال السنوات السبع الماضية، مع التركيز بالأساس على ازمات منطقة الشرق الاوسط، لا سيما الحرب الاهلية في سوريا، الدائرة منذ 2011. و في الشهر التالي – اوائل الشهر مايو – نشر الصحفي ’ ديفيد سامويلز في مجلة ’The New York Times Magazine‘، مقالة اخري تتماس مع ذات الموضوع، لكن بطلها الرئيسي هو ’بن رودز‘، نائب مستشار الأمن القومي لشئون الاتصالات الاستراتيجية، كاتب خطابات الرئيس و أحد اهم النافذين إلى قلب و عقل باراك اوباما.

The_Atlantic_magazine_cover

ربورتاج جيفري جولدبيرج وعرضه لـ ’عقيدة أوباما في السياسة الخارجية‘ أهم وأكثر مهنية (واقل اثارة للجدل) من تغطية ديفيد سامويلز المثيرة في مجلة النيويورك تايمز. من خلال تواجده حول الرئيس الامريكي ومرافقته في العديد من رحلاته الخارجية واجراء حوارات مباشرة ممتدة معه، اضافة الى احتكاكه المباشر بالطاقم الرئاسي والدائرة الضيقة حول باراك اوباما، استطاع جولدبيرج ان يستعرض وجهة نظر متكاملة لسياسة الولايات المتحدة الخارجية تحت حكم باراك اوباما، من خلال تصرفات وردود افعال الرئيس والحلقة الضيقة من المساعدين من حوله لمختلف الاحداث في السنوات الخمس الماضية، بل وفي كثير من الاحيان عبر تصريحات مباشرة من الرئيس ورجاله.

يرتكز ريبورتاج جولدبيرج (ومقالة ديفيد سامويلز) على الحادث الاهم في سياسة باراك اوباما الخارجية، والتي سيتوقف عندها التاريخ طويلا: نهاية الاسبوع الاخير من اغسطس 2013، عندما قرر الرئيس الامريكي التراجع عن ضرب سوريا عسكريا.

منذ صيف العام السابق (2012)، وضع الرئيس الامريكي خطا احمر لنظام بشار الاسد: إن استخدم النظام السوري السلاح الكيماوي ضد شعبه، سيتدخل الجيش الامريكي. وبالفعل يعبر بشار الاسد الخط في 21 اغسطس 2013، عندما قامت قواته بقصف منطقة الغوطة، شرق دمشق، بصواريخ تحمل غازات كيماوية سامة (غاز السارين)، ليسفر الهجوم عن مجزرة انسانية كبرى، يتجاوز ضحاياها 1700 قتيل في بعض التقديرات.
Continue reading “صالون مايو”