صالون مايو

السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الأزمة السورية

 

في عدد ابريل من مجلة ’The Atlantic‘، نُشر ريبورتاج سياسي هام للصحفي المخضرم ’جيفري جولدبيرج، يقوم من خلاله بسرد سريع (وتقييم مقتضب) للسياسة الخارجية للرئيس الامريكي باراك اوباما طوال السنوات السبع الماضية، مع التركيز بالأساس على ازمات منطقة الشرق الاوسط، لا سيما الحرب الاهلية في سوريا، الدائرة منذ 2011. و في الشهر التالي – اوائل الشهر مايو – نشر الصحفي ’ ديفيد سامويلز في مجلة ’The New York Times Magazine‘، مقالة اخري تتماس مع ذات الموضوع، لكن بطلها الرئيسي هو ’بن رودز‘، نائب مستشار الأمن القومي لشئون الاتصالات الاستراتيجية، كاتب خطابات الرئيس و أحد اهم النافذين إلى قلب و عقل باراك اوباما.

The_Atlantic_magazine_cover

ربورتاج جيفري جولدبيرج وعرضه لـ ’عقيدة أوباما في السياسة الخارجية‘ أهم وأكثر مهنية (واقل اثارة للجدل) من تغطية ديفيد سامويلز المثيرة في مجلة النيويورك تايمز. من خلال تواجده حول الرئيس الامريكي ومرافقته في العديد من رحلاته الخارجية واجراء حوارات مباشرة ممتدة معه، اضافة الى احتكاكه المباشر بالطاقم الرئاسي والدائرة الضيقة حول باراك اوباما، استطاع جولدبيرج ان يستعرض وجهة نظر متكاملة لسياسة الولايات المتحدة الخارجية تحت حكم باراك اوباما، من خلال تصرفات وردود افعال الرئيس والحلقة الضيقة من المساعدين من حوله لمختلف الاحداث في السنوات الخمس الماضية، بل وفي كثير من الاحيان عبر تصريحات مباشرة من الرئيس ورجاله.

يرتكز ريبورتاج جولدبيرج (ومقالة ديفيد سامويلز) على الحادث الاهم في سياسة باراك اوباما الخارجية، والتي سيتوقف عندها التاريخ طويلا: نهاية الاسبوع الاخير من اغسطس 2013، عندما قرر الرئيس الامريكي التراجع عن ضرب سوريا عسكريا.

منذ صيف العام السابق (2012)، وضع الرئيس الامريكي خطا احمر لنظام بشار الاسد: إن استخدم النظام السوري السلاح الكيماوي ضد شعبه، سيتدخل الجيش الامريكي. وبالفعل يعبر بشار الاسد الخط في 21 اغسطس 2013، عندما قامت قواته بقصف منطقة الغوطة، شرق دمشق، بصواريخ تحمل غازات كيماوية سامة (غاز السارين)، ليسفر الهجوم عن مجزرة انسانية كبرى، يتجاوز ضحاياها 1700 قتيل في بعض التقديرات.
Continue reading “صالون مايو”

جندي في جيش الباشا

جندي في جيش الباشا

كانت حالة الاضطراب عامة و مشاعر التوتر عارمة..

وصل مندوب الآلاي[1]، قادما من عند الباشا – القائد العام – ليدخل من فوره إلى خيمة القائد، دون أن يرشف رشفة ماء أو حتى يلتقط أنفاسه. لم يردّ على تساؤلات الضباط و الجنود المتلهفين، لكن الوجوم الظاهر على وجهه كانت يحمل ما يكفي من أخبار.

تجمع الجنود حول خيمة القيادة، ليتسمّعوا الأخبار و الأوامر القادمة من القيادة المركزية.

أطلّ جندي حراسة خيمة القائد برأسه، و همس لأقرب المتنصّتين. الأخبار أسوأ مما يتوقعون.. لقد جاء الخبر من الباشا بالأوامر الصادمة: الانسحاب الفوري و السريع!

علت الهمهمات في جميع أنحاء المعسكر، و ظهر الفزع في أصوات و وجوه المقاتلين الشبّان. ما معني هذا؟ لقد لبثوا هاهنا تسعة أعوام كاملة. صحيح أنها لم تكن سنوات هادئة، لكن، برغم كل شيء، خضعت الأرض و أهلها لسلطتهم المطلقة، و كانت الكلمة العليا لهم دوما.

تعالت الأصوات المتوترة، فخرج ثلاثة صولات من خيمتهم ليزأروا في الجنود محذّرين و مهدّدين، ليتشتت الجَمع من فورهم.

لكن لم تمر سوى دقائق معدودة حتى جمع القائد جميع أفراد الآلاي بنفسه، هذه المرة ليلقي إليهم بالأخبار الكارثية مباشرة. الجيش المصري سينسحب من الشام، بالأحرى بدأ الانسحاب فعليا. الأسطول البريطاني قام بضرب بيروت و قضى على حامية الميناء تماما، و الأخبار تؤكد بدء عملية إنزال جنود بريطانيين. من باكر سيقوم الآلاي بجمع العتاد و طيّ الخيام (في خلال يوم واحد على الأكثر)، و من ثمّ التحرك فورا نحو الجنوب، ليلتقي بالآلاي العاشر عند مدينة بعلبك و سويا سيتحركون جنوبا تجاه مدينة دمشق.

Continue reading “جندي في جيش الباشا”

صالون ابريل

خرائط مصر عبر التاريخ

 

مصر دولة موغلة في القدم، حدودها الحالية تكاد تتطابق مع حدودها الأولى، منذ اتحاد شطريها على يد نارمر عام 3150 ق. م. لكن هذا لا يعني عدم تغيير حدودها طول الاف السنوات المنصرمة. تمددت الدولة المصرية على يد المصريين القدماء، و انكمشت، و اضمحلت، وصولا لفقدان سيادتها كاملة او أجزاء منها.. بداية بدخول الفرس الأخمينيين (القرن السادس ق.م.)، و نهاية بخروج الإسرائيليين من طابا (1989). لكن و برغم تعرضها لسلسلة لا تنتهي من احتلال القوى الأجنبية، كانت مصر لفترات طويلة من عمرها مركزا مهما، بل و عاصمة كبرى للدول و الممالك و الامبراطوريات الاقليمية.

هذا المقال سيحوي بالأساس بعض خرائط مصر عبر التاريخ، مع التركيز حصريا على الممالك و الولايات التي كان مركز سيادتها في مصر (الخرائط المرفقة لتلك الدول في ذروتها و أقصي اتساع رقعتها).

 

مصر الفرعونية (القرن الخامس عشر قبل الميلاد)

مصر الفرعونية

 

مصر الفاطمية

مصر الفاطمية 2

  Continue reading “صالون ابريل”

صالون مارس

الحملة المصرية على سوريا و الصراع المصري – العثماني (1831-1840)

 

بحلول الساعة الرابعة مساء يوم السبت 20 أكتوبر 1827 كانت الكارثة قد تحققت..

لقد دمر اسطول التحالف (بريطانيا و فرنسا و روسيا) الاسطول العثماني الضخم، المكون من الاسطول السلطاني و الاسطول التونسي و الجزائري و بالطبع درة الأساطيل العثمانية.. الاسطول المصري الحديث.

كانت الهزيمة ساحقة.. كاملة، تماما كما توقعاها: الأب – الوالي المحنك، و الابن – جنرال الحرب الذي لا يشق له غبار.

المعركة التاريخية و التي برغم أهميتها العظمي لم تتجاوز الساعتين، هي معركة نافارين البحرية الشهيرة و التي ستكون علامة فارقة في تاريخ العالم الحديث.

علي صعيد الساحة الأوروبية، مثلت نتيجة المعركة تغييرا حاسما في حظوظ الثوار اليونانيين الذين كانوا على شفا هزيمة كاملة و مجاعة فظيعة. فبتدمير الاسطول العثماني – المصري، انتهي الحصار العنيف للجزر اليونانية و أصبحت شبه جزيرة المورة (البيلوبونيز) مفتوحة على العالم الخارجي، مستعدة لاستقبال المعونات الخارجية، بل و قوات الحلفاء. و بالفعل بعد اقل من عام، وصلت القوات الفرنسية لتعلن تحرير شبه الجزيرة من قبضة العثمانيين، و في غضون سنوات قليلة تُعلن اليونان دولة مستقلة.

اما على الصعيد الداخلي للسلطنة العثمانية، فكانت هذه المعركة هي المسمار الأخير في نعش العلاقة (المتوترة أصلا) بين الباب العالي و واليه المتمرد في مصر.

محمد علي باشا الضابط الالباني هو والي مصر و حاكمها المتفرد منذ العام 1805. تربع على عرش الولاية في اعقاب فوضي شاملة سادت البلاد منذ طرد الفرنسيين علي يد القوات العثمانية الحديثة بمساعدة حلفائهم البريطانيين المؤقتين عام 1801. في أوقات غاية في الدقة و الحرج، استطاع هذا الثعلب الالباني المحنك ان يتميز من وسط اقرانه ليخلف زعيم فرقته الالبانية طاهر باشا اثر اغتياله، ثم بعد ذلك يسود في الصراع الثلاثي بين المماليك و الاتراك و الألبان، ليحصل على دعم المشايخ و الأهالي المصريين، و يغنم أخيرا بتعيين رسمي من الباب العالي، اتي برغم انف السلطان سليم الثالث، الذي اضطر لتعيينه حتي ينهي حالة الفوضى العارمة التي عصفت بالبلاد.

محمد علي باشا - بريشة الرسام الفرنسي لويس دوبري
محمد علي باشا – ريشة الرسام الفرنسي لويس دوبري

لكن الحاكم المحنك، و برغم حصوله على الفرمان السلطاني المرتقب، لم يركن إلى الراحة ابدا، بل استمر في بسط سيطرته على البلاد و التخلص من اعدائه: أولا من المماليك عبر مذبحة شاملة عام 1811 ثم مطاردتهم عبر الصعيد، وصولا إلي مستقرهم الأخير في دنقلة بالسودان، ثم التفت بعد ذلك إلى رفقائه الألبان المتمردين (فبرغم كل شيء كان محمد علي لا يزال في نظر الكثير من أقرانه واحدا منهم، لا يحق له التميز من دونهم)، فقام باستنزافهم و التخلص منهم تباعا في حملات الحجاز 1811 – 1818، وفي حملة السودان 1820-1822.

و من ثم خلت له الساحة أخيرا لبناء جيشه الخاص، جيشا يدين له وحده بالولاء. كان الهدف الأول من وراء حملة السودان هو جلب العبيد الاشداء ليكونوا اللبنات الدنيا للجيش الوليد (من الأهداف الأخرى للحملة طبعا كانت مطاردة فلول المماليك، و البحث عن الذهب). تمت عملية ضم السودان، لكن نتائج حملة سبي و تجنيد العبيد كانت كارثية، فبالإضافة الي الأوبئة التي فتكت بجنود محمد على، كانت رحلة حمل العبيد من السودان وصولا الي مصر كارثية، فمن 20 الف عبد تم سبيهم ما بين 1820 -1824 (لينقلوا إلى أسوان مشيا على الاقدام)، لم يبق على قيد الحياة منهم غير 3 الاف فقط.

أصابت محمد علي خيبة الأمل، و فكر في عدة حلول، منها استقدام أطباء أمريكيين (نظرا لخبرة الأمريكيين في التعامل مع العبيد السود) او بناء مراكب لنقل العبيد توفيرا للمشقة العظيمة.

لكن محمد علي قبل ان يكون قائدا عظيما، و حاكما محنكا، كان بالأساس اقتصادي عبقري، و في قول اخر: برجماتي معدوم الرحمة. فلتعويض خسائره المفجعة من الجنود نتيجة الأوبئة، اضطر محمد على لتجنيد 4000 من الفلاحين المصريين لسد العجز. نجحت هذه الدفعة من الجنود في القيام بمهامها على نحو لم يتوقعه محمد علي، مما شجع الوالي على المخاطرة: أولا بالاعتماد على الفلاحين المصريين الذين كان يحتقرهم و لا يثق في قدراتهم (كما يظهر في كثير من مراسلاته و حواراته مع الدبلوماسيين الغربيين) و ثانيا و الأهم بتجريف القوة العاملة في الثروة الزراعية الجبارة التي تمول مغامرته الجريئة و رحلته الطموحة نحو العظمة.
Continue reading “صالون مارس”

الخميس – 25 فبراير

من أقصي اليسار إلى اقصي اليمين

كيف يتحول الساسة من يساريين مؤمنين بالمُثل الرفيعة (من مساواة و عدالة الاجتماعية.. الخ) إلى يمينين قساة القلوب؟ ما وجه الصدق في المقولة الشهيرة لتشرتشل (او كليمونصو أو لويد جورج): “رجل غير اشتراكي في العشرين من عمره هو رجل بلا قلب، لكنه لو بقي كذلك حتي سن العشرين فهو حتما رجل بلا عقل”.

http://www.newyorker.com/magazine/2016/02/22/why-leftists-go-right 

 

رحلة بحث جدة عن حفيدها الذي اختطفته الخونتا – رحلة الـ 36 عاما تكلل بالنجاح

ريبورتاج ممتاز عن جهود الجدات في الأرجنتين في البحث عن احفادهن المفقودين ابان فترة الانقلاب العسكري 1976 -1983

http://www.theguardian.com/world/2015/jun/07/grandmothers-of-plaza-de-mayo-36-year-hunt-for-stolen-child 

 

عشاق و جواسيس

مقالة قديمة بجريدة الجارديان تتناول دور النساء الغير معروف في حلقة كامبريدج الجاسوسية الشهيرة. مقالة مثيرة و مليئة بالمعلومات، و مكتوبة بشغف و اتقان عالي.

http://www.theguardian.com/theguardian/2003/may/10/weekend7.weekend2 

 

 

معجزة أوروجواي الديموقراطية الهادئة

تقييم و مراجعة لتجربة أوروجواي العلمانية الاشتراكية للوصول للديموقراطية اللاتينية الحديثة

http://www.nytimes.com/2016/02/10/opinion/uruguays-quiet-democratic-miracle.html 

رواية “الجاسوس العثماني” – معرض القاهرة الدولي للكتاب 2016

يمكنكم الحصول على نسختكم من رواية “الجاسوس العثماني” في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2016 – منافذ البيع: دار الكرمة و مكتبة الكتب خان.

 

برومو الرواية:

 

1878: بعد معاصرته لهزيمة الدولة العثمانية الكاسحة في شرق أوروبا، ينقلب ولاء طلعت رستم لوطنه رأسا على عقب. تتلقفه إحدى الإمبراطوريات العظمى، تجنده ثم تزج به في خدمة الباب العالي، و سرعان ما يتدرج في المناصب الإدارية العليا.

 

2010: دكتور حازم شاهين شخصية مركّبة عصيّة على الفهم: تتحقق له كل أسباب السعادة، من وسامة و ذكاء ألمعي، و مهنة مرموقة في الجامعة، و الانتماء إلى أسرة غنية عظيمة النفوذ، بفضل منصب والده الكبير – لكنه لا يكاد يهتم بالحياة. بل بالعكس، يَنفر من الجميع: أقاربه و زملائه، بل و من المجتمع الذي يراه فاسدا لا أمل في إصلاحه أبدا. هربا من رتابة المهنة و فشل حياته الاجتماعية، ينغمس في الكثير من التجارب المجنونة، و آخرها اشتراكه مع صديق عمره في مغامرة غريبة غير مألوفة على الإطلاق. باحث تركي غامض يقتفي آثار رجل الدولة العثماني الذي شوهد لآخر مرة في القاهرة، مطلع عشرينيات القرن المنصرم. يستدرج الصديقين لمساعدته، لكنه يغرر بهما و يلقي بهما إلى المجهول قبل أن يختفي بغتة هو الآخر. تتعقد الأمور، و سرعان ما تنهمر المصائب من كل حدب و صوب. ما أهمية رجل الدولة العثماني المفقود بعد كل هذا الوقت، و ما هي خطورة الأسرار التي يمثلها حتى يجبر جماعة سرية تتخفى في القاهرة منذ أربعة قرون، على الخروج من الظل و مطاردة الصديقين بكل هذه الشراسة و الدموية؟ تاريخ غامض و أسرار تتوه فيها العقول، و مغامرة شيقة تنقطع لها الأنفاس . كل هذا و أكثر ينتظركم في 485 صفحة من المتعة المطلقة.

 

منفذ بيع دار الكرمة

  • جناح صلاح سالم (مدخل مترو الأنفاق): بجانب جناح الدار المصرية اللبنانية
  • جناح ممدوح سالم (مدخل مسجد آل رشدان): أمام جناح الدار المصرية اللبنانية

 

منفذ بيع مكتبة الكتب خان

  • المقر بمعرض الكتاب: صالة 4

 

الثلاثاء: 26 يناير

صراع الرئاسة اللبنانية

مقالة مختصرة (لكنها وافية المعلومات) تتابع اخر تطورات ازمة الرئاسة اللبنانية: ابرز مرشحين مسيحيين يتبعان معسكر طهران – حزب الله، و لا عزاء للسعودية و المعسكر السني.

http://www.sasapost.com/lebanese-presidency/ 

 

ضغط النفقات يزيد من ضعف بريطانيا دوليا

السير جيريمي جرين ستوك، سفير المملكة المتحدة السابق في الأمم المتحدة يتحدث بأسي عن تأثير ضغط النفقات على ميزانية الخارجية البريطانية، و محذرا من أفول نجم المملكة المتحدة و اختفاء تأثيرها في السياسة الدولية، وصولا لخروجها من مجلس الأمن. كما يتناول – من وجهة نظره – مقارنة سريعة بين سياسة الولايات المتحدة ذات الجيوب العميقة و العقل الخفيف و المملكة المتحدة ذات الباع الطويل و الحكمة.

http://www.theguardian.com/politics/2016/jan/16/cuts-britain-fading-power-sir-jeremy-greenstock 

ما بعد هجمات باريس

تجتاح الإنسان عشرات المشاعر الإيجابية و السلبية في حياته التي تمتد عبر عدة عقود: يستمتع بالمشاعر الإيجابية مثل الفرح و الإنجاز و الانتماء و الحب و الإثارة (بل و يستدعيها بين الحين و الآخر) و يتفادى قدر الإمكان المشاعر السلبية مثل الحزن و الغضب و الكآبة، و إن لم يستطع، حاول التأقلم عليها (يتعود عليها، بل و ربما يستدعيها طواعية هي الأخرى بين الحين و الآخر).

..إلا شعورين لا يتأقلم الإنسان معهما أبدا: أولهما الملل.. لكن تأثيره على الإنسان ليس ذا أهمية أو خطورة كبيرة كما الشعور التالي القاتل.

الشعور الآخر له وطأة عظيمة على الإنسان – لا تتحمله روحه و يسعى إلى التخلص منه على الفور: إنه “القلق” اللعين، و الذي سرعان ما يتزايد فيستحيل خوفا، و من ثمّ يخرج عن نطاق السيطرة فيستحيل رعبا.

إذا حل هذا اللعين بشخص ما – خصوصا مع تصاعد درجته – كان سبب في اختلال الإنسان و انعدام اتزانه العاطفي و المعنوي.. و لخطورته الكبرى يسعي الانسان للخلاص من مسببه و الهرب منه فورا.. و من أجل ذلك يوقف الإنسان عقله الواعي المتطور، المفكر و الناقد – وبالتالي المستهلك للوقت و الطاقة – و ينحيه جانبا، ليفسح الطريق واسعا إلى عقله الحيواني البدائي، السريع و التلقائي في رد فعله تجاه هذا الشعور الموغل في القدم و الذي تعرفه جيدا الغالبية السحقى من الحيوانات. ساعة الخوف و القلق الشديد، لا تسمح طبيعة الإنسان البيولوجية له كي يفكر و يبحث عن مكمن الخطر و سببه و لا كيفية التعامل الأمثل معه.. بل يرتد إلى رد الفعل البدائي السريع: اهرب أو حارب. و على قدر المشاعر و درجتها يكون رد الفعل.

ساعة الخطر، يصرخ عقل الزواحف القديم – الكامن أسفل المخ، عند جزع المخ – في أنحاء الدماغ معلنا سيطرته الكلية. ينصاع العقل الإنساني المتطور – الكامن في مقدمة الرأس – صاغرا، و ينكمش مشلولا، منتظرا توقف الصراخ القادم من الأسفل.
” بلا تفكير بلا وجع دماغ.”

Continue reading “ما بعد هجمات باريس”

وغد و أوغاد

البرد قارس قاسي. خصوصا في هذه الساعة المبكرة، و خصوصا علي من جاوزت الخمسين من العمر.

تدثرت في معطفها، مستطلعة مدخل الشارع الذي يهل منه اتوبيس الهيئة في تمام السابعة من كل صباح. لكن بدلا من علبة الصفيح المزمجرة، خرج عليها من الضباب الكثيف ذلك الغريب المثير. طويل ربعة يركض متعثرا في خطواته. يتوقف عند محطة الباص و يستقر مستترا خلف الحاجز الأيمن. فرد ساقه المخضبة بالدماء امامه و هو يأن في صمت. رفع اليها بوجهه الوسيم الملامح. متقطع الأنفاس، همس
– ارجو الا أكون قد اخفتك؟
– مال ساقك؟
– يطاردني بعض الأوغاد.. اطلقوا علي النار.
– يا ربي!
– لا تخافي، ليسوا من الأوغاد الذين تخشينهم. انهم الشرطة.

تناهت الي مسامعها أصوات الراكضون خلفه، و ان حجبهم الضباب عن الرؤية حتي حين.

حدقت فيه مستطلعة امره، فابتسم لها في رقة.
– تبدين امرأة ذات شأن، وجهك جميل و هندامك راقي. البالطو مع الحقيبة و الحذاء، حتي الساعة متناسقون متناغمون. ماذا تفعل امرأة في رقيك على محطة الأتوبيس في هذه الساعة المبكرة من اليوم؟
تجاهلت اطراءه، و ان ارتفعت روحها بعض سنتيمترات فوق الأرض.
– لماذا يطاردونك؟
– انت تعرفين من يطاردون هذه الأيام.

ليس له من لحية شعثاء او زبيبة فوق الجبهة، بل يتألق وجهه بالصدق و الحرية. ان هو الا شاب احمق استدرجته المثالية – من ايمان خرافي بالحق و العدالة – حتي اردته في هذه المحنة.

سحبته من يده.
– قم و تخفي خلف هذه الشجيرات، وراء اللوحة الإعلانية.
اطاعها كطفلها الذي لم تنجبه، و سرعان ما اختفي عن الأنظار.

ان هي الا ثواني معدودة حتي خرج من حجب الضباب امين شرطة مسلح، يتبعه عسكري سقيم. سألاها عن الجريح الهارب، فقالت انه أكمل ركضه الي اخر الشارع.

بعد ما استيقنت ابتعادهما، نادت عليه ليخرج. هتفت به لائمة
– دعك من السياسة و اذاها و التفت الي ما يصلح حالك. اكمل دراستك او ابحث عن عمل يناسبك.
تألق وجهه، لكن بابتسامة ابعد ما تكون عن البراءة و الرجولة.
– شكرا يا تيزة.
اخرج مطواة قرن غزال، و بسطها بحرفية قاطع الطريق المخضرم.
– قوام بقي بالبالطو و الشنطة و الساعة.. و الجزمة كمان.
– و امشي حافية؟
– ان شاء الله تمشي علي دماغك، ما يخصنيش. يالا اخلصي بسرعة.

عبد و عبيد

أوقف النخاس الشركسي فرسه بغتة و دار ليواجه الركب الذي يتبعه: أربعة صبية سود مكبلين في سلسلة حديدية. طرقع الشركسي كرباجه في الهواء ليتوقف الغلمان، متطلعين في رعب و ترقب للعنة القدر عليهم. مرهقين، عطاشي و جوعي، انهار اثنان منهم الي الأرض. بسرعة همّ اليهما بشير، التابع الأسود الذي يساعد الشركسي؛ نغز الصبيين ببندقيته ليقوما واقفين. تنحنح الشركسي و تكلم في فخامة و تعالي.

– بص يا ابني انت و هو، دلوقتي انا هاختار لكل واحد فيكم اسم. تحفظوا اساميكم دي صم، لأنه دي هتكون اساميكم الفترة اللي جاية. بترتيب وقوفكم قدامي: بولس، شاكوريان، اسوسا، و سابورا.

تململ الطفل الثاني في السلسلة، الذي لم يكد يتعدي العاشرة من عمره.
– ليه؟
– عشان اسمائكم أسماء مسلمين يا كلب منك له… العثمانيين ما بيشتروش عبيد مسلمين…
– طب لما هو كده، ليه ما خطفتش عيال من نصاري الحبشة و لا من الكفرة اللي في دارفور او السودان؟

طوح الشركسي كرباجه فأصاب ظهر الغلام.
– بقي عاوزني اروح الحبشة و لا ادخل الأدغال و اعرض حياتي للخطر عشان انت ما يبقاش اسمك شاكوريان… و الله هزلت…

ضحك في سوقية ثم التفت الي بشير، تابعه املس الوجه و مستدير الجسم، و حامل السلاح الناري الوحيد.
– ثم مالها اسوان، وحشة اسوان يا بشير؟

ضحك بشير في شراسة مخلوطة ببلاهة دون رد.

ربت الشركسي علي بطنه في اكتفاء و هو يشاهد الغلام المتمرد يتلوي من الألم، لا يستطيع ان يهرش الجزء المضروب لأن يديه مكبلتان.
– ثم ما تخافوش… العثمانيين هيدخلوكوا مدرسة العبيد و هناك هيحولكوا مسلمين تاني، فمفيش مشكلة… ثم هي مسألة وقت مش اكتر و بعدين تدخلوا في خدمة القصر و بعدها يا سعدكم يا هناكم. صدقوني، انتوا اللي هتدورا عليا عشان تشكروني علي الجميلة اللي عملتها فيكوا، صح و لا ايه يا بشير…
– ايوه يا بك… ده جميل لا يمكن حد ينساه ليك ابدا…

التفت اكبر الأطفال سنا و اضخمهم جسما، و اول المربوطين في السلسلة، الي التابع متسائلا في خوف
– طب و انت مش في القصر دلوقتي ليه؟

أشار بشير الي وجهه الذي جعدته و شوهته اثار مرض قديم…
– زي ما انت شايف شكلي ما عجبهمش. كنت بخوف حريم السلطان…

ثم ضحك في بلاهة من جديد… خفض الغلام الأكبر رأسه مبديا اقتناعه و رضوخه.

استدار الشركسي بفرسه متخذا وجهته الي الشمال مرة اخري
– احنا دلوقتي داخلين علي المنيا… دي بلد كبيرة شوية، و هناك ممكن قوي نقابل حد من المماليك او من العساكر الأنكشاريين… احفظوا اسماءكم كويس… مش عايز حد يلخبط و يعملنا مشاكل مع الأتراك…

بعد التقدم عدة امتار للأمام افتقد الشركسي صوت الخطوات وراءه، فتطلع خلفه في دهشة: كان الغلام الأكبر الأضخم يحاول التقدم، لكن الصبي التالي، المتمرد الذي ضرب بالكرباج، كان ثابتا في مكانه كالصخرة، مانعا الطابور من التقدم. كان الصبيان الذين يتلوانه يدفعانه للتقدم و الذعر بادي في عيونهما. لكن الغلام المتمرد لم يتحرك.
– انت واقف ليه يا ابن الحرام؟
– عشان مش هأغير اسمي و مش هاكمل في الرحلة دي…
– يبقي هتموت هنا يا ابن الحرام…

تقدم الشركسي بفرسه، ثم طوح بالكرباج الي وجه الغلام و رقبته. رفع الصبي المتمرد يديه المكبلة بالحديد في عزم و امسك الكرباج و جذبه في قوة. في مشهد سريالي، سقط الشركسي علي الأرض ليدق عنقه و يموت في الحال.

استمر ذهول الجميع لبضعة لحظات ثم اتجهت انظارهم الي بشير.

هم أربعة أطفال مكبلين، و هو شخص بالغ يحمل بندقية. لكن، حتي لو كان بشير احد الأنكشاريين المدربيين بعناية علي استخدام البنادق، لما كان بوسعه الأجهاز علي الصبية اجمعين، فالبندقية وحيدة الطلقة و تستغرق وقت لأعادة ملئها، إضافة الي حقيقة انه ضعيف البنية بشكل ملحوظ.

تقهقر بشير، ممسكا سلاحه في خوف و تردد، مبتسما في سذاجته المعهودة، و محاولا استرداد رباط جأشه
– الحمدلله… اهو كلب و راح… دا كان ملعون، ربنا يجحمه في جهنم… ما تخافوش انا معاكم، مش ضدكم… انا هأساعدكم تروحوا بيوتكوا… انا حافظ الطريق صم…

كشر الغلام المتمرد
– انا مش مصدقك… انت كذاب و زيك زيه… يالا بينا يا جماعة نجهز عليه…

نظر اليه الصبي الأكبر مستهزأ
– انت مش شايف البندقية اللي علي كتفه…
– لو هجمنا دلوقت مش هيلحق يضرب اكتر من طلقة واحدة… انا مستعد اخد الطلقة في صدري، بس نهجم دلوقت…

تجاهل الصبية نداءه. لكن، و متشجعا بالتقهقر الواضح علي بشير، تقدم الغلام الأكبر من جثة الشركسي و اخرج سلسلة المفاتيح و فك نفسه من السلسلة. بخبث، كسر سن المفتاح قبل ان يناوله للغلام الذي يليه، الغلام المتمرد.

لم يستطع أي من الغلمان المتبقين ان يفك اسره؛ لكن بناءا علي اقتراح بشير، لم يكن عليهم سوا الانتظار حتي وصولهم الي محطتهم التالية… المنيا. نظر الغلام المتمرد اليه في غضب ممزوج بالشك…
– ايه؟ هو انت مش هترجعنا لبلدنا في اسوان؟
– ايوه طبعا يا ابني… بس بالمشي علي الرجلين قدامنا كتير… احنا نوصل المنيا و من هناك ناخد مركب و نطلع علي اسوان في ربع الوقت…
– مش مصدقك… شكلك هتضحك علينا…
– ليه يا ابني… هو انت فاكرني ايه؟ نخاس زيه؟ لا، ابدا… انا بس كنت عبد المأمور لا اكتر و لا اقل… واحد بياكل لقمة عيش…
– كلكم اشرار…

هز بشير رأسه متألما في اسي، في حين تدخل الغلام الأكبر
– حرام عليك يا اخي… انت دخلت جوا نوايا الناس…

Continue reading “عبد و عبيد”