عبد و عبيد

أوقف النخاس الشركسي فرسه بغتة و دار ليواجه الركب الذي يتبعه: أربعة صبية سود مكبلين في سلسلة حديدية. طرقع الشركسي كرباجه في الهواء ليتوقف الغلمان، متطلعين في رعب و ترقب للعنة القدر عليهم. مرهقين، عطاشي و جوعي، انهار اثنان منهم الي الأرض. بسرعة همّ اليهما بشير، التابع الأسود الذي يساعد الشركسي؛ نغز الصبيين ببندقيته ليقوما واقفين. تنحنح الشركسي و تكلم في فخامة و تعالي.

– بص يا ابني انت و هو، دلوقتي انا هاختار لكل واحد فيكم اسم. تحفظوا اساميكم دي صم، لأنه دي هتكون اساميكم الفترة اللي جاية. بترتيب وقوفكم قدامي: بولس، شاكوريان، اسوسا، و سابورا.

تململ الطفل الثاني في السلسلة، الذي لم يكد يتعدي العاشرة من عمره.
– ليه؟
– عشان اسمائكم أسماء مسلمين يا كلب منك له… العثمانيين ما بيشتروش عبيد مسلمين…
– طب لما هو كده، ليه ما خطفتش عيال من نصاري الحبشة و لا من الكفرة اللي في دارفور او السودان؟

طوح الشركسي كرباجه فأصاب ظهر الغلام.
– بقي عاوزني اروح الحبشة و لا ادخل الأدغال و اعرض حياتي للخطر عشان انت ما يبقاش اسمك شاكوريان… و الله هزلت…

ضحك في سوقية ثم التفت الي بشير، تابعه املس الوجه و مستدير الجسم، و حامل السلاح الناري الوحيد.
– ثم مالها اسوان، وحشة اسوان يا بشير؟

ضحك بشير في شراسة مخلوطة ببلاهة دون رد.

ربت الشركسي علي بطنه في اكتفاء و هو يشاهد الغلام المتمرد يتلوي من الألم، لا يستطيع ان يهرش الجزء المضروب لأن يديه مكبلتان.
– ثم ما تخافوش… العثمانيين هيدخلوكوا مدرسة العبيد و هناك هيحولكوا مسلمين تاني، فمفيش مشكلة… ثم هي مسألة وقت مش اكتر و بعدين تدخلوا في خدمة القصر و بعدها يا سعدكم يا هناكم. صدقوني، انتوا اللي هتدورا عليا عشان تشكروني علي الجميلة اللي عملتها فيكوا، صح و لا ايه يا بشير…
– ايوه يا بك… ده جميل لا يمكن حد ينساه ليك ابدا…

التفت اكبر الأطفال سنا و اضخمهم جسما، و اول المربوطين في السلسلة، الي التابع متسائلا في خوف
– طب و انت مش في القصر دلوقتي ليه؟

أشار بشير الي وجهه الذي جعدته و شوهته اثار مرض قديم…
– زي ما انت شايف شكلي ما عجبهمش. كنت بخوف حريم السلطان…

ثم ضحك في بلاهة من جديد… خفض الغلام الأكبر رأسه مبديا اقتناعه و رضوخه.

استدار الشركسي بفرسه متخذا وجهته الي الشمال مرة اخري
– احنا دلوقتي داخلين علي المنيا… دي بلد كبيرة شوية، و هناك ممكن قوي نقابل حد من المماليك او من العساكر الأنكشاريين… احفظوا اسماءكم كويس… مش عايز حد يلخبط و يعملنا مشاكل مع الأتراك…

بعد التقدم عدة امتار للأمام افتقد الشركسي صوت الخطوات وراءه، فتطلع خلفه في دهشة: كان الغلام الأكبر الأضخم يحاول التقدم، لكن الصبي التالي، المتمرد الذي ضرب بالكرباج، كان ثابتا في مكانه كالصخرة، مانعا الطابور من التقدم. كان الصبيان الذين يتلوانه يدفعانه للتقدم و الذعر بادي في عيونهما. لكن الغلام المتمرد لم يتحرك.
– انت واقف ليه يا ابن الحرام؟
– عشان مش هأغير اسمي و مش هاكمل في الرحلة دي…
– يبقي هتموت هنا يا ابن الحرام…

تقدم الشركسي بفرسه، ثم طوح بالكرباج الي وجه الغلام و رقبته. رفع الصبي المتمرد يديه المكبلة بالحديد في عزم و امسك الكرباج و جذبه في قوة. في مشهد سريالي، سقط الشركسي علي الأرض ليدق عنقه و يموت في الحال.

استمر ذهول الجميع لبضعة لحظات ثم اتجهت انظارهم الي بشير.

هم أربعة أطفال مكبلين، و هو شخص بالغ يحمل بندقية. لكن، حتي لو كان بشير احد الأنكشاريين المدربيين بعناية علي استخدام البنادق، لما كان بوسعه الأجهاز علي الصبية اجمعين، فالبندقية وحيدة الطلقة و تستغرق وقت لأعادة ملئها، إضافة الي حقيقة انه ضعيف البنية بشكل ملحوظ.

تقهقر بشير، ممسكا سلاحه في خوف و تردد، مبتسما في سذاجته المعهودة، و محاولا استرداد رباط جأشه
– الحمدلله… اهو كلب و راح… دا كان ملعون، ربنا يجحمه في جهنم… ما تخافوش انا معاكم، مش ضدكم… انا هأساعدكم تروحوا بيوتكوا… انا حافظ الطريق صم…

كشر الغلام المتمرد
– انا مش مصدقك… انت كذاب و زيك زيه… يالا بينا يا جماعة نجهز عليه…

نظر اليه الصبي الأكبر مستهزأ
– انت مش شايف البندقية اللي علي كتفه…
– لو هجمنا دلوقت مش هيلحق يضرب اكتر من طلقة واحدة… انا مستعد اخد الطلقة في صدري، بس نهجم دلوقت…

تجاهل الصبية نداءه. لكن، و متشجعا بالتقهقر الواضح علي بشير، تقدم الغلام الأكبر من جثة الشركسي و اخرج سلسلة المفاتيح و فك نفسه من السلسلة. بخبث، كسر سن المفتاح قبل ان يناوله للغلام الذي يليه، الغلام المتمرد.

لم يستطع أي من الغلمان المتبقين ان يفك اسره؛ لكن بناءا علي اقتراح بشير، لم يكن عليهم سوا الانتظار حتي وصولهم الي محطتهم التالية… المنيا. نظر الغلام المتمرد اليه في غضب ممزوج بالشك…
– ايه؟ هو انت مش هترجعنا لبلدنا في اسوان؟
– ايوه طبعا يا ابني… بس بالمشي علي الرجلين قدامنا كتير… احنا نوصل المنيا و من هناك ناخد مركب و نطلع علي اسوان في ربع الوقت…
– مش مصدقك… شكلك هتضحك علينا…
– ليه يا ابني… هو انت فاكرني ايه؟ نخاس زيه؟ لا، ابدا… انا بس كنت عبد المأمور لا اكتر و لا اقل… واحد بياكل لقمة عيش…
– كلكم اشرار…

هز بشير رأسه متألما في اسي، في حين تدخل الغلام الأكبر
– حرام عليك يا اخي… انت دخلت جوا نوايا الناس…

 

كان الغلام الأكبر يختار الجانب الأقوي في سرعة و ذكاء: فبشير رغم كل شيء هو البالغ من بينهم و هو حامل السلاح. و بسرعة اخذ الصبيان الاّخران نفس موقف الغلام الأكبر.

مجبرا، انصاع الغلام المتمرد الذي اجهز علي حياة النخاس الشركسي المخيف الي رأي رفقائه الأضعف و الأجبن.

خلال يومين من السفر، تصاحب الغلام الأكبر علي بشير، و صار ذراعه الأيمن في تسيير أمور طابور الصبية، مساعدا في توفير الطعام و العناية بالفرس. بل لقد وصلت درجة صداقته ببشير ان الأخير سمح له في كثير من الأحيان بامتطاء الفرس و قيادة الفوج.

أخيرا وصلوا للمنيا… لكن بدلا من الاتجاه الي ميناء المدينة، يمم بهم بشير الي وسط المدينة. و وسط ذهولهم دخل بهم الي السوق، متوقفا عند منصة النخاسة.

و كان الغلام الأكبر هو اول من بيع: بيع الي احد الأنكشاريين. تلاه الغلام المتمرد: لكن تمرده البين و صياحه المتواصل خفض من سعره للغاية، لدرجة انه لم يرضي بشرائه أي من اعيان المدينة او وجهائها. اشتراه عالم ازهري فقير بسعر زهيد ليكون خادمه و رفيقه في رحلته الي السودان.

كان الصبيان الاّخران، الأصغر سنا، منتظرين لدورهما في البيع، لكن بشير اخذهما و خرج بهما من السوق. متحفزين و مستغربين، تساءلا عن السبب وراء عدم بيعهما…
– مش هأضحك عليكم و اقولكم اني مش هأبيعكم… هأبيعكم برضه… بس الحقيقة انتوا الأتنين ولاد ناس و طيبين و خسارة انكوا تتباعوا في السوق ده لشوية رعاع من المصريين… انتوا تستحقوا تعيشوا في قصور الملوك… انا مخصوص عشان بحبكم، و والله مش عشان الفلوس، هأضرب المشوار بيكم لحد استنبول و اوصلكم بنفسي لقصر السلطان عشان تخدموا فيه… اكيد حظكم هيكون افضل مني و تتنعموا بخدمة حريم السلطان… هتعيشوا عيشة عمركم ما كنتم هتعيشوها في كنف اهاليكم…

ارتفعت معنويات الصبيين و تبعا بشير في خضوع و سعادة…

تركوا المدينة، و بعد خمسة أيام من السير في الصحراء، توقفوا أخيرا عند سفح جبل مقفر، لا يعلوه الا دير معزول عن العالم.

عند كوخ حقير البناء، توقفوا. دخل بشير الي الكوخ، يتبعه الغلامان.
– يا اهل المكان…
– مين؟
– انا بشير يا بك، تباع رفقي الشركسي… معايا بضاعة…

نزل الجميع عبر سلم خلفي الي “الخُن”، غرفة واسعة، ممتلئة القطع و الأدوات. نظر الصبيان في قلق الي الألات الحادة المتناثرة و اعواد البامبو و حفرة الرمال الساخنة.
– ايه ده؟

تساءل احد الصبيين في رعب و هو يري صاحب الكوخ يربط زميله من يديه و ساقيه… ابتسم بشير مطمئنا و هو يسلك بين اسنانه الخربة بعود قش.
– ما تخفش… دي عملية صغيرة خالص… بتوجع شوية في الأول وبعدين خلاص، هتتعود و تبقي عادي… صدقني انا اتعملت لي و ان صغير، و اديني قادمك اهو زي الفل…
– و العملية دي ايه لزمتها؟

قهقه بشير و قد عادت اليه بلاهته مرة اخري، و ان صاحبتها قسوة لا مبرر لها…
– لزمتها انك هتخدم حريم السلطان؟ هو فيه شرف اكتر من كده…

و اطلق الصبي المربوط صرخة الألم مزلزلة ليبدد ما تبقي من شك لدي رفيقه المذعور عن مكان و ماهية العملية…

Facebook Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *