جندي في جيش الباشا

جندي في جيش الباشا

كانت حالة الاضطراب عامة و مشاعر التوتر عارمة..

وصل مندوب الآلاي[1]، قادما من عند الباشا – القائد العام – ليدخل من فوره إلى خيمة القائد، دون أن يرشف رشفة ماء أو حتى يلتقط أنفاسه. لم يردّ على تساؤلات الضباط و الجنود المتلهفين، لكن الوجوم الظاهر على وجهه كانت يحمل ما يكفي من أخبار.

تجمع الجنود حول خيمة القيادة، ليتسمّعوا الأخبار و الأوامر القادمة من القيادة المركزية.

أطلّ جندي حراسة خيمة القائد برأسه، و همس لأقرب المتنصّتين. الأخبار أسوأ مما يتوقعون.. لقد جاء الخبر من الباشا بالأوامر الصادمة: الانسحاب الفوري و السريع!

علت الهمهمات في جميع أنحاء المعسكر، و ظهر الفزع في أصوات و وجوه المقاتلين الشبّان. ما معني هذا؟ لقد لبثوا هاهنا تسعة أعوام كاملة. صحيح أنها لم تكن سنوات هادئة، لكن، برغم كل شيء، خضعت الأرض و أهلها لسلطتهم المطلقة، و كانت الكلمة العليا لهم دوما.

تعالت الأصوات المتوترة، فخرج ثلاثة صولات من خيمتهم ليزأروا في الجنود محذّرين و مهدّدين، ليتشتت الجَمع من فورهم.

لكن لم تمر سوى دقائق معدودة حتى جمع القائد جميع أفراد الآلاي بنفسه، هذه المرة ليلقي إليهم بالأخبار الكارثية مباشرة. الجيش المصري سينسحب من الشام، بالأحرى بدأ الانسحاب فعليا. الأسطول البريطاني قام بضرب بيروت و قضى على حامية الميناء تماما، و الأخبار تؤكد بدء عملية إنزال جنود بريطانيين. من باكر سيقوم الآلاي بجمع العتاد و طيّ الخيام (في خلال يوم واحد على الأكثر)، و من ثمّ التحرك فورا نحو الجنوب، ليلتقي بالآلاي العاشر عند مدينة بعلبك و سويا سيتحركون جنوبا تجاه مدينة دمشق.

 

خرج مندوب الآلاي – حامل الأخبار – و الوجوم لا يزال على وجهه المُغبّر.

توجّه إلى خيمة ضباط الصف ليغير ملابسه و يستريح. عند دخوله الخيمة، كان أحد الصولات يخرج لاستلام مناوبته. هتف به هازئا

– حمد لله على السلامة يا بومة الشؤم..

تطلع مندوب الآلاي، رسول الأنباء السيئة – الباش شاويش مجاهد – لزميله بعينين غائمتين، ثم ردّ التحية في عدم اكتراث. تناول كوز ماء ليروي عطشه، ثم التقط رغيف خبز جاف تركه أحدهم فوق طاولة الدفاتر. جرّ قدميه إلى الداخل، باحثا بعينيه في أنحاء الخيمة المعتمة. ألقى بجسده المتعب على فراش بدون ملاءة و هو يقضم لقمة الخبز في غير شهيّة. أتاه صوت هامس في الظلام من فراش قريب.

– ما الأخبار؟ سبع أم ضبع؟

– ألم تسمع من مرقدك الميرالاي[2] و هو يتلعثم بالأخبار؟

– لا أقصد هذا يا أحمق.. أقصد موضوعنا.

تلفّت مجاهد حوله في الظلام ثم تطلّع إلى مدخل الخيمة الهادئ. همس

– سبع..

اعتدل صاحبه في جلسته و همس في حماس

– عظيم! متى ستكون إذا ساعة الصفر؟

التفت مجاهد ناحية صاحبه، ثم طوّح برأسه بعيدا و قد اضطرب داخله بفعل ذكرى الأحداث المتلاحقة في حياته، خصوصا في الفترة الأخيرة..

****

إن التغيير الذي أصاب مجاهد حتما عظيم..

كيف لا و قد جاء إلى الحياة ابنا بكريا للحاج عبد الكريم عمدة قرية الحمايمة، تلك القرية الهادئة جنوب مدينة بنها. كان ذلك الفتي الوسيم الرزين، الحافظ لعشرة أجزاء من القرآن الكريم و المتمكّن من القراءة و الكتابة، حسن الثياب و الهندام، يخطف الأنظار دونا عن أترابه من أهل القرية. كيف لا و هو ابن الاسرة الكريمة و الذي يتوقع له أن يحلّ على رأس القرية – عمدةً خلفا لأبيه بعد عمر طويل- و أن يتزوج من أجمل الفتيات و أكرمهنّ نسبا، لينجب رهطا من البنين و البنات، يكمل بهم الذرية الصالحة لعائلته العريقة.

لم يكن متوقعا أبدا أن يكون هاهنا مكانه، و لا أن ينتهي به الحال في هذه الخيمة الجرداء، على هذا الفراش المهترئ. لكنها ’الجدعنة‘ اللعينة! فوالده، و حتى يكون شهما مع أهل بلدته، قام بمساعدة بعض فلاحي القرية على الهروب من التجنيد الإلزامي، و بالتستّر على آخرين كانت تبحث عنهم سرية التجنيد. لكن سرعان ما ألقي القبض على هؤلاء الشباب وتم تسليمهم للـ’حكومة‘، ليعترفوا جميعهم على العمدة الذي ساعدهم على الهروب.

و عقابا للعمدة على عصيان أوامر الوالي، تم تجنيد ابنه الأكبر، لتبدأ رحلة مجاهد في خدمة جيش الوالي.. ستة عشر عاما مضت، و يعلم الله كم من سنوات أخرى بقيت.

كانت السنة الأولي في ’الجهادية‘ صعبة قاسية، خصوصا على من كان مثله من أرباب المنزلة العالية و الحياة السهلة اللينة. لكن، بفضل تربيته – لأنه كان يُجهّز لعمادة القرية و رئاستها – كان مجاهد شخصا يعتمد عليه، قليل التذمر، لذا استطاع أن يكسب احترام صف الضباط، بل و أن يحظى كذلك بثقة الضباط الأرناؤوط و الشراكسة – لذا حصل على الترقية لأومباشي[3] في وقت قصير نسبيا. بعد الترقية تحسّن وضعه داخل الجيش، و بالتالي تحسنت معيشته بشكل معقول. صحيح أن شظف الحياة و قسوة الميري بقيت كما هي – إضافة إلى رفقة الفلاحين المذعورين الشكّائين و الضباط المتعالين المتعجرفين – لكن حياة الجيش فتحت لمجاهد نافذة رحبة على الحياة، لم تكن لتوفرها على الإطلاق معيشته في الريف المصري الغافل عن العالم من حوله.

بعد مرور ثلاث سنوات على انضمام مجاهد للجيش، ألفى نفسه و قد انحصر سخطه على سوء حظه الذي ألقى به إلى هذه الحياة الشاقة الجافة. بل و بمرور الوقت، وجد نفسه و قد صار فخورا بانتمائه لهذه القبيلة المهيبة، و بكونه أحد تروس هذه الماكينة العملاقة التي لا يجرؤ أحد على الوقوف أمامها. بانتمائه للجيش، حاز هيبة إضافية و اكتسب خبرات صقلت شخصيته و أنضجتها كما لم يكن يتصوّر يوما.

انبهر مجاهد بالعالم الخارجي: بالمدن التي دخلها الجيش و بأهلها المختلفين عن أهل قريته؛ أحيانا كان الاختلاف هامشيا في بضع سلوكيات، و أحيانا أخرى كان القوم يختلفون كلية عن قومه – في المأكل و المشرب و الحياة اليومية، بل و في تفسير و تطبيق الدين الإسلامي نفسه.

.. لكنه أيضا انبهر بالشخصيات العظيمة.. خصوصا شخصية ذلك القائد الفذّ، و الذي كان من حظ مجاهد أن خدم تحت لوائه مباشرة في أكثر من مناسبة.. إنه إبراهيم باشا. ذلك القائد الأسطوري و المُخطط العبقري الذي لا يشبهه أحد، لا في الذكاء و الألمعية و لا في الشجاعة و بُعد النظر. صحيح أن الرجل كان قاسيا، متحاملا على ضباطه و جنوده في كثير من المواقف و تحت أسوأ الظروف، لكن مجاهد، خصوصا في المرحلة الأولى، التمس له كل الأعذار و اعتبر كل صفاته – الحسنة منها و البغيضة – خصالا أساسية في اُولي الأمر من القادة و الحكام، حتي يستقيم شأن الأفراد و الشعوب من تحتهم.

بلغت ذروة انبهار الباش شاويش مجاهد بقائده الأسطوري في حملة المورة باليونان (1824 – 1828). كان ساعتها في قمة الحماسة و النشوة – بل و الفخر – و هو يقاتل في جيش الباشا و تحت راية الخلافة الإسلامية. أصيب مجاهد إصابة بالغة في صدره، لكنه لم يبالي، و لم يطلب العودة إلى مصر. استلم النيشان الذي وصله من مصر في امتنان، و ما إن استطاع الوقوف على قدميه مرة أخرى حتي ألقى بنفسه في أتون المعركة دون تواني، حتي قبل أن تلتئم جراحه تماما.

لكن هالة القُدسية و البطولة التي أحاطت بإبراهيم باشا (و بالتالي بجيش المحروسة) – في نظر مجاهد – ثُقبت و أصيب جدارها الصلب بشرخ عظيم عندما انهار الاسطول المصري أمام أسطول الأوروبيين (الانجليز و الفرنسيين و الروس) في موقعة نافارين. سمع عشرات التبريرات (بل و ردّدها بنفسه للأفراد الأقل رتبة) – و كلها بالمناسبة كانت منطقية و مقبولة، مثل: أن الإفرنج اتحدوا عن بكرة أبيهم هذه المرة لنصرة اليونانيين النصارى لوقف تدفق جيش المسلمين إلى أوروبا مرة أخري – أن سلطان العثمانيين خذل الباشا، حقدا عليه و حسدا له – أن التعزيزات المطلوبة لو وصلت من الاسكندرية في الوقت المناسب لتغلّب الأسطول المصري – و غيرها من الأعذار و التبريرات الكثير.

لكن من داخله لم يقتنع مجاهد تماما.

[1] وحدة عسكرية تساوي ’اللواء‘ حاليا

[2] رتبة عسكرية تساوي ’عقيد‘

[3] رتبة عسكرية تساوي ’عريف‘

 

يمكنكم استكمال رحلة الباش شاويش مجاهد المُذهلة في سوريا و مصر (1840 –  1841)، عبر شراء نسختكم الالكترونية من ’جندي في جيش الباشا‘ (80 صفحة للتابلت، 120 صفحة للهاتف المحمول) بالضغط هنا.

Facebook Comments