قصة اليهود – سيمون شاما

في عام 2013، عرضت قناة بي بي سي 2 البريطانية سلسلة تسجيلية من خمس أجزاء للمؤرخ البريطاني المخضرم سيمون شاما Simon Schama. السلسلة لاقت اهتمام جماهيري كبير، و اشادة و حفاوة نقدية عالية بما اعتبره الكثير من النقاد و المشاهدين أهم اعمال المؤرخ الشهير.

كان موضوع السلسلة التسجيلية بالغ التشعّب، ايضا شائك و حساس.. اختيار البي بي سي لسيمون شاما، دونا عن غيره، للقيام بالمشروع الكبير كان موفق بدرجة كبيرة، و ده لسببين:

الأول، ان سيمون شاما قامة راسخة في عالم اكاديميا الدراسات التاريخية؛ خريج جامعة كامبريدج العريقة، بعد كده محاضر فيها و في اوكسفورد، إضافة إلى استاذيته في جامعة هارفرد الشهيرة، و حاليا أستاذ في مادة التاريخ و تاريخ الفنون في جامعة كولومبيا بنيويورك. كمان الرجل نجم من نجوم المجتمع في بريطانيا و الولايات المتحدة: له عشرات الكتب التاريخية اللي حظيت بمرتبة الـbestseller، إضافة لعدد معتبر من السلاسل التسجيلية على قنوات البي بي سي البريطانية (و اللي اتعرضت تباعا على القنوات الامريكية زي PBS)، منها: سلسلة تاريخ بريطانيا (على 3 مواسم)، سلسلة قوة الفن (او سطوة الفن)، سلسلة مستقبل أمريكا، و غيرها كتير. يتميز الرجل بتنقيبه عن التفاصيل الإنسانية الصغيرة و الحميمة وسط الأحداث الكبرى و سرده للتاريخ بطريقة ملحمية مؤثرة، و قدرته على استثارة مشاعر الناس و انتباههم بأسلوب درامي لطيف. الرجل حكّاء من الطراز الأول.

السبب الثاني لاختيار سيمون شاما بيتعلق مباشرة بموضوع السلسلة التسجيلية، و اللي هو: “قصة اليهود” The Story of the Jews، ده لأن سيمون شاما نفسه يهودي من بيت محافظ و من أصول يهودية عريقة: امه اشكينازية من شتيتلات (shtetel) ليتوانيا (قُرى اليهود في روسيا و شرق و وسط اوروبا)، و ابوه سفارديم من يهود سميرناه (أزمير، تركيا حاليا) بل و جدوده عايشوا ظهور شبتاي زيفي نفسه في القرن السابع عشر (قراء الجاسوس العثماني عارفين طبعا الرجل ده يبقى مين 😊

لكن برغم ان اختيار مؤرخ يهودي مخضرم لكتابة السلسلة و تقديمها يبان اختيار مريح للبي بي سي، الا انه حتما ما كنش كده بالنسبة لسيمون شاما. سمعة الرجل و حياده الاكاديمي كانوا على المحك.

عشان كده قام الرجل، من وجهة نظري، باتخاذ قرار جرئ و ذكي للغاية. قرر من بداية السلسلة التسجيلية رمي الموضوعية من الشباك: اعلن الرجل يهوديته من اللقطة الأولي و اعتنقها و قال لنا بكل ثبات و حماس انه هيحكي لنا عن تاريخ اليهود، باعتباره تاريخ قومه اللي بينتمي إليهم قلبا و قالبا. و بالفعل السلسلة عبارة عن قصة شخصية للراوي، بيبث من خلالها فخره بالانتماء و حفاوته بالإنجازات الشخصية و الابداعية لليهود عبر الأزمنة المختلفة، و طبعا مليانة شجن للماضي و حزن و احترام للمآسي العُظمي اللي ألمّت باليهود عبر حقب التاريخ المتلاحقة.

لكن قبل ما اكمل حديثي عن سيمون شاما و عن سلسلة “حياة اليهود”، اسمحوا لي اتوقف للحظة، و اتكلم عن سبب اهتمامي بسيمون شاما.




قبل خمس او ستة شهور ماكنتش سمعت عن سيمون شاما قبل كده. اللي وصّلني ليه هو اهتمامي في الفترة الأخيرة، من بداية العام (2017)، بتاريخ الثورات و تأثُراتها و تأثيرتها، و محاولتي تدوين بعض من قراءاتي دي في هيئة تدوينات و تسجيلات صوتية (بودكاست). بدأت بالثورة الإنجليزية (1642 – 1660) و انتهيت منها في مارس الماضي، بعد كده بدأت ادوّر على هدفي التالي. قرأت عدة كتب عن الثورة الامريكية و بدأت في كتابة بعض حلقات البودكاست، لكن لظروف عدة – مش مجال مناقشتها دلوقت – فَترت عزيمتي تجاه الموضوع برمته. بعد اشهر من التسكع بين الكتب المختلفة و البدء في رواية جديدة، استقرت انظاري على الثورة الفرنسية، ام الثورات و الرحم اللي خرج منه العالم بشكله الحديث. بعد قراءة خمس او ست كتب، لقيت نفسي امام كتاب Citizens “مواطنون” لسيمون شاما، الصادر في الذكري المئوية التانية للثورة الفرنسية، عام 1989. شدّتني طريقة سرد الكتاب المتفردة، و ادهشني مسلك الكاتب الدارمي و مشاعره المفعمة التي بيضخها من بين سطور الكتاب عشان تتسرب لروح القارئ دون أدنى مقاومة.. اثار اعجابي (كمؤلف روائي) قدرة سيمون شاما على عبور الزمان و المكان و قدرته على التفاعل مع الاحداث بشكل شخصي.

بدأت ادوّر على الكاتب المؤرخ عبر الوسائط المختلفة من مقابلات و مناظرات و برامج تسجيلية عشان اكتشف الوجه الكامل للرجل.. لغاية ما عثرت على عمله الأهم – سلسلة قصة اليهود، اللي باتكلم عنها هنا.

في السلسلة دي، سيمون شاما بيروي قصة اليهود، احيانا عبر الكتب المقدسة، من توراة و مشناه و تلمود، لكن معظم الوقت عبر الحفريات و الاثار المختلفة، و مُخلفات الحضارات الإنسانية، من كتب و وثائق و اعمال فنية متنوعة. لكنه زي ما قلت في الأول، بيحكي قصة الشعب اللي بينتمي له عرقيا و نفسيا و روحيا. الرجل بيلجأ لطريقة ذكية في الحكي، و هي اللجوء لسرد التاريخ عبر قصص إنسانية لأبطال يهود. بيحكي القصص بانغماس شديد و بيستدر المشاعر الإنسانية للمُشاهد بحرفية عالية تخليه يتعاطف، بل و يتماهي في أوقات كتيرة مع ابطال القصة.

السلسلة بشكل كامل عبارة عن احتفاء بتاريخ اليهود عبر العالم، و بتتعاطف مع محنتهم المُزمنة من اضطهاد الشعوب المختلفة ليهم، و في نفس الوقت فيها تأنيب مُستتر للإنسانية و البشر عموما على تخاذلهم و تخليهم عن اليهود، و تحميل العالم (خاصة المسيحي في القرون الوسطى، ثم الغربي التنويري في العصر الحديث) المسئولية التاريخية عن نكباتهم و المذابح اللي حصلت لهم.

اكتر من تسعين في المية من الاحداث اللي في السلسلة معنديش ذرّة شك في حدوثها تاريخيا، بل و ماكنش عندي مانع في أحيان كتير مع الطريقة اللي تم عرض الموضوع بيها. لكن اللي ضايقني قوي هو طريقة المؤرخ المُتَعمدة في بتر التاريخ و حذف الأجزاء الـinconvenient.. الأجزاء اللي ما بتخدمش القصة بالشكل اللي عاوز يوصله للمشاهد.

على سبيل المثال لا الحصر: مأساة اليهود الكبرى المتمثلة في نكبة ما بعد 1492.. طبعا مفيش خلاف ان اليهود تم طردهم و تشريدهم من الاندلس بعد الفتح الكاثوليكي لشبه جزيرة ايبريا.. لكن المثير و المذهل هو عدم ذكر المؤرخ و لو بكلمة واحدة لمصير المسلمين الأكثر سوءً! نفس الشئ عند تطرقه لسياسة التهميش و التهجير و الإبادة في روسيا القيصرية. المؤرخ أتكلم حصرا على المأساة اليهودية الكبرى منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر وصولا للحرب العالمية الأولى، من غير ما يشير و لو من بعيد ان دي كانت سياسة اصيلة في روسيا القيصرية مش بس تجاه اليهود.. بل انها قبل ما تحصل لهم حصلت قبل كده مع مسلمين القوقاز و الشراكسة و التتار المسلمين في القرم – قسوة و عنف وصولا للابادة العرقية. ده غير طبعا تقليل المؤرخ و سخريته من قصة نفوذ شبكات عائلات اليهود الكبرى طوال القرن التاسع عشر و تدخلاتها المباشرة في شئون الدول بطرق ملتوية، سواء في اوروبا او في أراضي الدولة العثمانية، و اللي حصلت فعلا و بطرق فجّة كتير. صحيح ان المنتفعين كانوا العائلات اليهودية ذات النفوذ، و صحيح ان فضح التدخلات بطريقة معادية للسامية أذت السواد الأعظم من اليهود، الفقراء و المغلوبين على امرهم بالأساس، لكن سيمون شاما تجاهل مناقشة المسألة بجدية من الاصل.

أنا مش معترض على مضمون الكلام، الا و هو ان اليهود اتظلموا و اتنكل بيهم عبر التاريخ. ده حقيقي، لكن طرح السلسلة بالشكل العاطفي الأسطوري ده ما اقبلوش غير في شكل درامي أدبي خيالي.. صحيح ان السلسلة زي ما قلت بتعتنق السرد الشخصي المتحيز بشكل مكشوف، لكن غياب الموضوعية في نقاط معينة زي اللي اشرت ليها (و غيرها كتير)، خصوصا في برنامج تسجيلي بيقدمه مؤرخ من العيار التقيل زي سيمون شاما مش مقبول ابدا، و ده شئ خلاني بمنتهى الاريحية اضعه في خانة المؤرخ المُدلّس.

..لغاية ما اتفرجت على الحلقة الخامسة، حلقة قيام إسرائيل.

الرجل بعد رحلة مُفعمة بالمشاعر و الحماس و التعاطف فجأة بيتعثر في خطواته و يتحرك ببطء اكتر، و كلماته بتفقد كتير من حماسها و حسمها. الرجل صهيوني مؤمن بالصهيونية تماما، اتربي في بيت يهودي محافظ، بل و امضى جزء من طفولته في كيبوتز إسرائيلي في فلسطين.. لكن رؤية التنفيذ الفعلي للصهيونية على ارض الواقع (خصوصا في الوضع الراهن) واضح انها سببت له ازمة نفسية. صحيح انه مش بيفصح عن ضيقه و صحيح انه مش بيتخلى عن صهيونيته و دفاعه المستميت عن إسرائيل، لكن واضح ان انسانيته متأثرة.




الرجل لقى نفسه بيتكلم على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، و مضطرا قام بالحديث عن مأساة التهجير الفلسطيني عن طريق حوار مُبتسر مع احد أبناء قرية لفتا (قرية قريبة من مدينة القدس) – و اللي طبعا مش قادر يرجع لبيت اجداده عشان الإسرائيليين مانعين عودته. الموقف اللي خلاني ادرك الأزمة اللي جوه المؤرخ، كان لقاءه مع رب اسرة يهودية في احد مستوطنات الضفة الغربية. المستوطن بيقول في منتهي الوداعة و الهدوء انه مؤمن بشكل كامل بحق الشعب اليهودي في كل ما ذكر في التوراة من أراضي اقام فيها اليهود في وقت من الأوقات، دون اكتراث لحقوق الشعوب اللي عايشين فيها في الوقت الحالي.. بيظهر على وجه سيمون شاما الذهول و الاستنكار، لكنه لا يعلق بأكثر من كلمات مُقتضبة بيعرب فيها عن قلقه من أراء المستوطن!

بعد كده بتنتهي السلسلة بلقطات سريعة للمؤرخ قدام الجدار العازل القبيح و هو بينظر له في حسرة (نظرا لمدلوله العنصري الواضح)، لكنه في تخاذل بيبرر لإسرائيل حقها في انشائه لحماية نفسها ضد الهجمات الفلسطينية.

بعد اربع حلقات من الاحتفاء و التهليل لتاريخ اليهود، جه سيمون شاما في الحلقة الأخيرة – حلقة التتويج المُفترض لقصة اليهود و حلم الصهيونية بانشاء إسرائيل  – و فجأة اتبخر كل التشجيع و الفخر من جواه.. صحيح بيدافع عن الفكرة الصهيونية و عن إسرائيل، و بيتغاضي عن الموضوعية في نقاط كتير زي ما عمل في الحلقات الأربعة الأولى.. لكن الحماس المُفرط و المشاعر الفياضة اختفت، و ظهرت مكانهم علامات الشك و الذهول، بل و البرود في بعض الأوقات. علامات بتشير بوضوح لعدم اقتناع الرجل بالكلام اللي بيقوله.

مشهد تاني، لكن بره سلسلة The story of the Jews، خلاني برضه اعيد التفكير في تقييمي لسيمون شاما. نفس المؤرخ الصهيوني ده اللي بيدافع عن إسرائيل و بيبرر لها، ليه مقابلة شهيرة على اليوتيوب، مناظرة تليفزيونية قصاد عتاولة الـUKIP (و ده حزب بريطاني قومي، اشهر إنجازاته الحشد الناجح لاستفتاء الـBrexit اللي اسفر عن خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي). في المناظرة التليفزيونية دي، سيمون شاما بيدافع بحماس عن المهاجرين الغير شرعيين و اللاجئين السوريين، و عن حقهم في الوصول لبريطانيا و العيش فيها، داعيا البريطانيين و العالم من ورائهم، لعدم التخلي عن السوريين زي ما العالم تخلى عن اليهود قبيل المحرقة الشهيرة.

من وجهة نظري، سيمون شاما مُفكر بيتبع المنهجية العلمية و بيعتنق الأفكار الحرة التقدمية: ليبرالي و يميل لليسار، بيدعم حزب العمال في بريطانيا ضد المحافظين، و الديموقراطيين ضد الجمهوريين في أمريكا، بيتعاطف مع اللاجئين و بيدافع عنهم.. لكن لما الموضوع يجي عند جماعته، بيضطر غصبا عن نفسه انه يرمي كل توجهاته الإنسانية و اراءه المنهجية في غيابات الجُب، و يقفل عليها بالضبة و المفتاح. سيمون شاما منتمي لجماعته بشدة، هو اليهودي الواثق الحائر؛ الواثق من حبه و انتمائه لاصوله و عرقيته و دينه، و الحائر في تبرير منهج جماعته في العصر الحالي، المناقض للجدلية التاريخية اللي بيبنوا عليها مظلوميتهم الشهيرة.. برغم كل شيء، سيمون شاما مجبر نفسيا للدفاع عنهم و عن منهجهم بمنتهى الاستماتة.

المقالة دي مش عن سيمون شاما بالأساس.. المقالة دي عن الانسان الواعي، اللي بتدور جواه طوال الوقت معركة عُظمى، في عقله و مشاعره و ضميره: بين الانتماء و الولاء الأعمى، و الضمير و الانصاف.. بين المفروض و بين الصح.. بين انك ترضي اللي حوليك و ترضي نفسك القبليّة و ماضيك و هويتك، و بين انك تخضع لضميرك المُنصف و تخسر كل شئ.

 

 

Facebook Comments