الحرب العالمية الثانية – مقدمة

Play

 

مطلع القرن العشرين تمركزت أكبر و أغنى مدن العالم في أوروبا، القارة العجوز؛ شعوبها الأغنى و الأكثر تمتعا بمباهج الدنيا و علومها و فنونها، كيف لا و هم يديرون امبراطوريات العصر الحديث: لندن عاصمة الإمبراطورية الأكبر في التاريخ و اكبر مدينة على وجه الأرض (مستعمرات شاسعة في افريقيا، استراليا، كندا، و درة التاج، شبه القارة الهندية)، باريس مدينة النور و النار و عاصمة الإمبراطورية الفرنسية (مستعمرات تمتد عبر نصف القارة الافريقية، الهند الصينية في اسيا و مجموعة من الجزر عبر محيطات العالم)، برلين عاصمة القيصرية الألمانية (مستعمرات شرق و جنوب غرب افريقيا، و مستعمرات شرق الصين و ارخبيل غينيا الجديدة)، سانت بطرسبرج (القيصرية الروسية الممتدة عبر أوروبا و آسيا – اكبر مسطح ارضي متصل)، فيينا و بودابست (الإمبراطورية النمساوية المجرية)، مدريد (الامبراطورية الاسبانية الشاسعة التي تقلصت بعد الحروب النابليونية، ثم قُصت اجنحتها ابان الحرب الامريكية الاسبانية 1898)، لشبونة (الامبراطورية البرتغالية المنكمشة بعد خسارة البرازيل و ان احتفظت بمستعمرات افريقية)، أمستردام (الامبراطورية الهولندية و مستعمراتها في جزر الهند الشرقية)، بل و بروكسل (المملكة البلجيكية و مستعمرتها الشاسعة على ضفاف نهر الكونغو).. كلها مراكز ازدهار فني و ثقافي و اقتصادي كما لم تعرف الحضارة الإنسانية من قبل. حتى الولايات المتحدة الكبرى الواقعة خارج القارة (و التي تمددت مع مطلع القرن عبر المحيط الاطلنطي و الهادئ لتنتزع كوبا و بورتوريكو و الفليبين و جوام)، خارجة من رحم القارة العجوز و تنتمي لها ماديا و فكريا و روحيا.

هذا بالطبع عالم ما قبل 1914.. قبل اندلاع الحرب الأوروبية الكبرى (1914 – 1918) التي ستعصف بسكان القارة الأكثر تقدما بالعالم. الحضارة الأوروبية الحديثة، او ما تعرف بالحضارة الغربية – التي اجتاحت العالم و قهرت شعوبه و سيطرت على موارده و اعادت صياغة التاريخ و الحضارة – تدير نيران مدافعها نحو قلبها.. انها الحرب الأوروبية الأعظم في تاريخ القارة العجوز حتى ذلك التاريخ. هي أيضا عالمية إلى حد ما، إذا امتد مسرح عمليات معاركها خارج أوروبا إلى مناطق متفرقة من افريقيا و أسيا.
.. لكنها بالطبع لا ترقي لمستوي الحرب التي تبعتها بعد عشرين عاما. تلك التي اندلعت عام 1939، الحرب الكونية المسماة: الحرب العالمية الثانية.. الحرب الاوسع انتشارا و الأشد وطأة على البشرية على الاطلاق.




الحربان لا ينفكان عن بعضهما البعض، فما انتهت عليه الحرب الأولى كان سببا مباشرا في اندلاع الثانية. حتى ان بعض المؤرخين يحلو لهم ربط الاثنتين في سياق حرب واحدة، حرب الثلاثين عاما (1914- 1945) او الحرب الألمانية الكبرى – ذلك ان ما يجمع بينهما هو الدور الألماني الرئيسي في اندلاع شرارة الحرب في كل مرة.

ستغير الحرب العالمية الثانية الحدود الجغرافية: ستتقلص حدود و تتمدد أخرى، لكن لن تظهر للوجود عشرات البلدان كما حدث بعد 1918 (نتيجة معاهدتي فرساي 1919، و لاحقا، لوزان 1923) جراء تقسيم أراضي المهزومين (امبراطوريات عثمانية و نمساوية مجرية و روسية)، بل جراء تنازل الامبراطوريات المنتصرة (بريطانيا و فرنسا) عن مستعمراتها حول العالم – سواء برضاها او رغما عنها.

لكن التغيير الأهم الذي ستحدثه الحرب العالمية الثانية هو التناول الحاسم، سياسيا و جيو-استراتيجيا، لعالم ما بعد الحرب، لن تكون هناك انصاف حلول مرة أخرى كما كان الحال بعد الحرب الأولى: هذه المرة ستختفي الامبراطوريات القديمة و سيبرز للعالم قُطبي قوة تدور دول العالم من حوليهما؛ سيتم القضاء على الايدولوجيات الخاسرة و فرض ايدولوجيات المنتصرين بقوة السلاح و المال.

سيكون العالم ما بعد 1945 مختلفا تماما عما كانه قبل 1939.


#الحرب_العالمية_الثانية
#دردشة_في_التاريخ

 

 

Facebook Comments