الحرب العالمية الثانية – ما قبل الحرب – المانيا 1

Play

 


ظهر أدولف هتلر (1889 – 1945) على الساحة السياسية الألمانية في عشرينات القرن العشرين، و كانت شهرته في السنين الأولى انه مجرد سياسي مسرحي مثير للشغب.

كان الشاب العصبي المُرهف قد غادر النمسا و اتخذ من المانيا (مدينة ميونيخ) وطنا له منذ العام 1913، و باندلاع الحرب تطوع الشاب النمساوي المعتز بعرقيته الألمانية إلى صفوف الجيش الألماني، ليخوض سنين الحرب الأربع، و يبلي خلالها بلاء حسنا، أهله للحصول على وسام الصليب الحديدي مرتين، مرة في بداية الحرب (1914: وسام من الطبقة الثانية) و أخرى في نهايتها (1918: وسام من الطبقة الأولى). عند خروجه من الحرب العالمية الأولى، مصابا محبطا،

لوحة بريشة الرسام أدولف هتلر 1914

كان الشاب ذو التسعة و العشرين ربيعا في حاجة ماسة للعمل. لم يكن ناجحا في وظيفته السابقة، و التي كانت رسام مناظر طبيعية و بائع متجول لعلب التلوين، و لم تكن الوظائف متوفرة في ظل الانهيار الاقتصادي الناتج عن الخسارة في الحرب و عقوبات معاهدة فرساي المالية المرهقة لألمانيا. لذا قبل بالعمل لدي الجيش الألماني كجاسوس على حزب سياسي صغير نشأ على الساحة ما بعد الحرب، حزب العمال الألماني، الذي سرعان ما سيتغير اسمه إلى: حزب العمال القومي الاشتراكي الألماني – حزب “عمال” لأنه يُعنى بالطبقة الوسطى الدنيا من الالمان؛ “قومي” أي ضد الأجانب؛ “اشتراكي” أي ضد الفساد؛ و “الماني” أي ضد كل شيء غير ألماني، خصوصا العنصر السامي (اليهود).

لكن الجاسوس المكلف بكاتبة التقارير و التلصص على أعضاء الحزب، اخذته التجربة الحزبية و سرعان ما اعتلى المنصة ليشارك و يدلو بدلوه في ذلك المحفل الذي جمع أناس على شاكلته. هاهنا لمع الفنان الفاشل، على المنصة اكتشف أدولف هتلر في نفسه موهبة أخرى لا تقل اثارة عن الرسم و الموسيقى: موهبة الخطابة و الأهم انه اكتشف سحرها و سطوتها على الناس. ظهرت براعة هتلر الإلقائية التمثيلية العالية و قدرته على التقمص و السخرية بالطريقة الألمانية التقليدية الرفيعة، و ظهرت قدرته على تخير المواضيع التي تجذب أعضاء الحزب و جماهيره من قدامى المحاربين و الطبقة العاملة: بداية من خيانة الانتلجنتسيا و الشيوعيين و طبعا اليهود للامة الألمانية، و التي أدت “طعنتهم الغادرة” في الداخل لهزيمة الجيش الألماني في ميدان المعركة، وصولا للشروط المجحفة للحلفاء المتمثلة في معاهدة فرساي، و التي أدت إلى نزع أراضي المانيا (لتكوين بولندا) و نزع سلاح الدولة (بل و احتلال منطقة الراين لفترة بواسطة القوات الفرنسية)، إضافة للتعويضات المالية التعجيزية تكفيرا عن تسببهم في نشوب الحرب.




 

****

لم تكن الشعوب الألمانية مختلفة عن شعوب أوروبا في التهيب و القلق من اليهود منذ نشأة المسيحية وصولا لعصر التنوير الأوروبي. كان اضطهاد اليهود و عزلهم عن المجتمع في جيتوهات (ghetto) و تقييد ممارستهم السياسية و الاجتماعية (بل و شيطنتهم) امرا شائعا اعتياديا حتى ظهور الكود النابليوني (القانون المدني الفرنسي ما بعد الثورة الفرنسية) و الذي انتشر في ربوع أوروبا ما بعد الحروب النابليونية مطلع القرن التاسع عشر. بانتصاف القرن، كان تقبل اليهود داخل اللُحمة الأوروبية، خصوصا الألمانية و النمساوية كبيرا. خرج اليهود من الجيتوهات و اخذوا في التماهي و الاندماج مع الهوية الألمانية الحديثة، و من اشهر امثلة اليهود (و المنحدرين من أصول يهودية) الذين اندمجوا في الحضارة الألمانية و الاوربية: الفيلسوف الاجتماعي و الاقتصادي كارل ماركس، عالم النفس سيجموند فرويد، الروائي ستيفن زفايج، عالم الفيزياء البرت اينشتين، و غيرهم مئات ممن ابدعوا علميا و فنيا في حرية تامة و بحد أدنى من مشاعر الاضطهاد.

لكن وضع اليهود لم يتحسن في القيصرية الروسية، بل على العكس. ففي الرمق الأخير من القرن التاسع عشر، تزايد القمع القيصري ضد اليهود في أطراف الإمبراطورية الروسية الغربية، المسماة Pale of Settlement (حاليا بولندا و أوكرانيا و دول البلطيق) و التي كانت المنطقة الوحيدة المسموح لليهود بالعيش بها، حتى لا يلوثوا ارض روسيا الطاهرة! نتج عن تلك السياسة مذابح كبري و موجات تهجير قسري، لكن دونما دفاع او حتى اهتمام من القوى الأوروبية المتقدمة.. ما دفع اليهود في تلك الفترة لمراجعة مواقفهم من فكرة الاندماج في الحضارة الأوروبية. تصاعدت دعوات للوحدة اليهودية الصهيونية و الالتحام و السعي وراء الحفاظ على هويتهم و ثقافتهم و دينهم، بل و البحث عن وطن بديل.

صحيح ان تلك الجدالات الفكرية اندلعت في المحيط الروسي البولندي بالأساس (كانت غالبية الأراضي البولندية تحت الحكم الروسي منذ نهاية القرن الثامن عشر، وصولا للحرب العالمية الأولى)، لكنها وجدت صدى لدي بعض من يهود الشعوب الالمانية، و من ثم تناهت لعلم القوميين الالمان المتربصين.




من بعد الازمات السياسية و الاجتماعية و خصوصا الاقتصادية التي ضربت الالمان بعد الحرب العالمية الاولي، بدأ الكثيرون، خصوصا الجنود العائدون من الجبهة، في البحث عمن يلقون اللوم عليه: من المسئول عن حال وطنهم البائس؟ من الذي أدي لخسارتهم الحرب؟ طوال السنوات الأربع كان النصر يبدو قريب المنال. كان اليهود شماعة مناسبة جدا لإلقاء اللوم: بداية من الجدل القائم في اوساطهم للدفع لقيام وطن جديد لهم في فلسطين، برعاية بريطانيا، عدو الامس القريب، وصولا لحالتهم السياسية و الاقتصادية ما بعد الحرب، و التي كانت افضل نسبيا عن باقي طوائف الشعب الألمانية، بفضل تجمعهم في مهن البنوك و الأسواق المالية (علما بأن ذلك التخصص كانوا محصورين فيه و مدفوعين إليه منذ القرون الوسطى، ثم سرعان ما سار اثيرا لديهم) و تجارة المعادن النفيسة، و سيطرة بعضهم على وسائل الاعلام القليلة في ذلك الوقت. لذا كان غريزيا ان ينظر الالمان القوميين في خليط من الشك و الحسد نحو اليهود، الأفضل حالا منهم.


#الحرب_العالمية_الثانية
#دردشة_في_التاريخ

Facebook Comments