الحرب العالمية الثانية – ما قبل الحرب – المانيا 3


بعد تولى منصب مستشار الجمهورية الألمانية، يأخذ هتلر مباشرة في تنفيذ قراره ذو الابعاد الثلاثة:  1) النهوض بالصناعة الألمانية 2) لتشغيل البطالة، و لأن لا يوجد طلب مباشر على الصناعة الألمانية، يتم توجيها 3) لإعادة تسليح الجيش الألماني. خشي جنرالات الجيش الألماني من رد فعل بريطانيا و فرنسا، ذلك أن تلك الخطوة مخالفة صريحة لاتفاقية فرساي، لكن هتلر توقع، و كان توقعه صحيحا، ان الدولتان لن يعترضا و ان فعلتا لن يأتي من وراء اعتراضهما نتيجة ذات بال.

 

و بالفعل تحدث نهضة كبيرة في الزراعة و الصناعة (الحربية) الألمانية، حتي تختفي البطالة من المانيا بحلول عام 1936 – و كما المتوقع تصل شعبية هتلر إلى عنان السماء.




لكن المراقب عن قرب، كان يستطيع ان يلمح ملامح هذا النظام الشرس الدموي؛ بداية من استهداف بعض أعضاء الحزب نفسه عام 1934، مرورا بتشريع قوانين معاداة السامية عام 1935 و استهداف الشيوعيين.. و ظهور معسكرات الاعتقال. لكن عدد المعتقلين من قبل الحرب لم يتجاوز الـ6000 معتقل في أي وقت من الأوقات، و كانت السيطرة النازية على وسائل الاعلام واسعة، فلم تتسرب تلك الأخبار للعامة بسهولة، و ان سمح بالنشر كانت تخضع لإعادة صياغة وفق المصلحة النازية. كما ان المراقبون الدوليون، في بريطانيا مثلا، لم يتوقعوا ان يتفاقم الوضع عن ذلك، بل تنبأوا بأن يهدئ هتلر من إجراءاته القمعية مع استتباب حكمه.

 

لكن النظام النازي لم يهدأ و لم يستكين، بل ازداد قسوة مع الوقت، خصوصا تجاه اليهود، و بدأ الدفع في طردهم خارج البلاد، مع احتجاز مبالغ كبيرة من ثرواتهم حتى يسمح لهم بالخروج.

 

بحلول 1936، ازدادت وتيرة تسليح الجيش الألماني؛ كان هتلر يأمل في تأمين احتياجات المانيا الدفاعية في غضون أربعة سنوات، و تجهيزها لشن حرب هجومية كاسحة في غضون سبع سنوات. دون ان يعلن عن نواياه، كان الرجل في سباق تسليحي صناعي مع الاتحاد السوفييتي، الذي كان في ذلك الوقت في خضم تنفيذ الخطط الخمسية الشهيرة لتطوير الصناعة الثقيلة و الحربية.

 

طوال الوقت وقفت امام طموحات هتلر عقبتين هائلتين: الأولى تتعلق بالمواد الخام الضرورية للصناعة الحربية، و الغير متوفرة في الأراضي الألمانية، و الثانية العملة الصعبة و التي يحتاجها بقوة لاستيراد تلك المواد، مثل الوقود و المطاط و المعادن الضرورية للصناعة. لكن بحلول 1936، قرر الرجل تجاهل مشاكله و تناسيها و المضى قدما في خططه.

 

ضرب هتلر ضربته الأولي: إعادة الانتشار في منطقة الراين – تلك المنطقة الحدودية الواسعة من المانيا، المُحاذية لفرنسا و المنزوعة السلاح بعد أن تركتها القوات الفرنسية عام 1929 تحت ضغط من بريطانيا. مع دخول القوات الألمانية لمنطقة الراين، ثارت ثائرة الفرنسيين، لكن تجنبا لأي توترات لا لزوم لها، تدخلت بريطانيا، ناصحة حليفتها الفرنسية بالتحلي بالهدوء و امتصاص حماس المارد الألماني الوليد، في بداية لسياسة ما يعرف “بالترضية و الاحتواء” للألمان الغاضبين، الشاعرين بالإهانة من انتهاك سيادتهم على أراضيهم، و لتجنب اية حروب مستقبلية. لكن الذي لم يدركه الحلفيين، بريطانيا و فرنسا، انه باتخاذ تلك السياسة، كان مؤشر العد التنازلي للحرب قد بدأ مرة أخرى.

 

طوال السنوات الثلاث التالية سيكون الانشغال في أوروبا بسياسة الاحتواء كبيرا، و ستتباين الآراء حولها. أصبح الإحباط الألماني و الضيق من جراء اتفاقية فرساي متفهما في هذه الفترة، اذ دائما ما يُتفهم ضيق الأقوياء، و المانيا الآن قوية.. و مُسلحة!

 

بعد إرضاء ألمانيا النازية في استعادة سيادتها على كامل أراضيها “الرسمية”، بدأت  المطالبة بحقوق باقي الألمان، أولئك المنكوبين تحت الحكم الأجنبي، خارج السيادة الألمانية. أخذ الفوهرر (القائد) الألماني في المطالبة بحقوقهم.. و أراضيهم التي يعيشون عليها.




الملايين من الالمان كانوا يعيشون تحت حكم حكومات بولندا و تشكوسلوفاكيا، بلدان لم يودوا ان يكونوا بها أساسا – ناهيك عن ألمان النمسا. فبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى و انهيار الإمبراطورية النمساوية المجرية و تفتتها إلى عدة دول، تبقت تلك المنطقة ذات الأغلبية الألمانية الكاثوليكية (على عكس الغالبية البروتستانتية لألمانيا)، حيث فيينا، العاصمة و المدينة الكوزموبلتانية الكبرى للإمبراطورية المنهارة. بصعود حظوظ هتلر، المولود في الإمبراطورية النمساوية المجرية القديمة، و باسترداد ألمانيا لمكانتها السابقة، اشتد حماس المانيو النمسا القوميين، و انضم الالاف منهم في صفوف الفرع النمساوي للحزب النازي. و سرعان ما بدأت الدعوات لانضمام دولتهم للرايخ الألماني الصاعد. يتبني هتلر مطالبهم (ان لم يكن ورائها أصلا) و تبدأ المسيرات العسكرية للقمصان البنية مطالبة بالوحدة. في بريطانيا، بدا المسئولون في حالة غريبة من اللامبالاة. فبعد زيارة قصيرة لبرلين في نوفمبر 1937، ابلغ اللورد هاليفاكس، وزير الخارجية البريطانية، الفوهرر الألماني، ان لا مانع من انضمام النمسا لألمانيا، بشرط ان تتم الأمور بطريقة سلمية غير فجة (بشياكة من الاخر).

 

خطبة هتلر في فيينا بعد ضم النمسا

و بحصوله على الضوء الأخضر، يقوم هتلر بتأليب النازيين النمساويين لتخرج الأمور عن سيطرة الحكومة النمساوية، يضطر المستشار النمساوي (الكاثوليكي) فون شوشنج ان يسافر إلى برلين متوسلا من هتلر ان يسيطر على النازيين النمساويين. بدلا من تخفيف مخاوف الرجل و استيعابه، يدعو هتلر جنرالات الجيش الألماني لحضور الاجتماع، لإخافة المستشار النمساوي و اهانته. يخنع الرجل امام بلطجة النازيين، لكنه ما ان يعود لبلده، حتى يعلن تحديه لهتلر بعقد استفتاء على انضمام بلاده للرايخ الألماني. لكن هتلر، المتوجس من نتيجة الاستفتاء، لا ينتظر و يغزو البلاد في 12 مارس 1938، وسط استقبال حار، فاق توقعات النازيين انفسهم. تُضم النمسا و يتحول قلب الإمبراطورية السابقة إلى مجرد ولاية في الرايخ الألماني. توقع النمساويون المعارضون ان تهب إيطاليا لنجدتهم بناء على تعاونهم الصلب، لكن هتلر يسارع بالاتصال بالدوتشي الإيطالي، احتراما منه لقدوته السياسية الأولى و منعا لنزاع لا داعي منه: “تغاضي عن هذا الامر و لن انسى لك هذا ابدا”.

.. و لم يكذب الرجل، اذا لن يتوانى هتلر، مستقبلا، عن مساعدة موسوليني مرارا و تكرارا، بل و سيعرض خططه و جيشه للمخاطر لإنقاذ الرجل اكثر من مرة، و سيقف بجواره حتى النهاية.

#الحرب_العالمية_الثانية
#دردشة_في_التاريخ

Facebook Comments