الحرب العالمية الثانية – ما قبل الحرب – المانيا 4


و بعد النمسا جاء الدور على تشيكوسلوفاكيا. و هذه الأخيرة كانت دولة حديثة لم يكن لها وجود من قبل، نشأت من رحم الحرب العالمية الأولي، تحت حماية الحلفاء، خاصة فرنسا. لكن، و لأن تلك الدولة خرجت من انقاض امبراطورية عظمى كانت تحت سيطرة العرق الالماني – الإمبراطورية النمساوية المجرية – استقر عدد كبير من الناطقين بالألمانية في تلك الدولة الوليدة، خصوصا في الجزء المتاخم لألمانيا النازية، ما يعرف باسم “منطقة السوديتن” Sudeten.
بعد نجاح هتلر في اغتصاب النمسا دون اعتراض من الديموقراطيات الغربية، وجه انظاره إلى منطقة سوديتن، مناديا بأحقية الالمان هناك في الانضمام للرايخ الألماني. تتوتر فرنسا، الحليف لتشيكوسلوفاكيا، لكن بريطانيا تُهدئها هذه المرة أيضا، بل ان نيفيل تشامبرلين، رئيس الوزراء البريطاني العجوز، يقولها صراحة: ان تشيكوسلوفاكيا دولة لا نعرف عنها شيئا و لا نهتم بأمرها.

هتلر في استقبال رئيس الوزراء البريطاني – ميونيخ 1938

و في سبتمبر 1938، يسافر رئيسي وزراء بريطانيا و فرنسا إلى ميونيخ للقاء الفوهرر للحصول على ضمانات بالكف عن التوسع الألماني في أوروبا في مقابل تنازلهما عن دعم تشيكوسلوفاكيا، ثم يعودان لبلديهما حاملين السلام و الراحة النفسية لشعوبهما التي لم تكن مستعدة لتذوق ويلات الحروب مرة أخرى.

(سبب أخر للتنازل البريطاني – و لاستمرارهم في سياسية الاحتواء و الترضية – يكمن في ادراكهم للتفوق الألماني الكبير في التسليح خصوصا في سلاح الجو الألماني الذي تمت الدعاية له بقوة خلال الحرب الاهلية الاسبانية الأخيرة، و لعدم اكتمال برنامج إعادة التسليح البريطاني السري – عن طريق إقامة مصانع صناعية كبرى قادرة على التحول للصناعة الحربية ان اقتضى الأمر – إضافة لعدم تغطية السواحل و المناطق الحربية و الصناعية الحيوية بغطاء جوي ناجع، خصوصا بتكنولوجيا الرادارات الحديثة.
لكن حتى برغم كل تلك الظروف، رفض بعض الساسة المخضرمين إعطاء أي مجال للوحش النازي الصاعد، اشهرهم بالطبع ذلك السياسي المحافظ الرجعي، القادم من العهد الفيكتوري البائد، وزير البحرية في خضم الحرب العالمية الأولى و المسئول المباشر عن كارثة الحلفاء العسكرية على مشارف العاصمة العثمانية، في جاليبولي عام 1915، و احد اهم الشخصيات المحورية التي سنتطرق إليه قريبا: انه بالطبع السياسي و رجل الدولة الشهير ونستون تشرشل.)




لكن هتلر لا يحفظ الوعود و لا يكتفي بمنطقة السوديتن، بل يجتاح التشيك كاملة في مارس 1939، و يبقي سلوفاكيا كدولة تابعة تحت اصبعه. هاهنا يتحول الرأي العام البريطاني، و أخيرا يدرك الساسة البريطانيون ان هتلر لا امان له و ان القادم اسوء بلا شك. تتسارع وتيرة إعادة التسليح البريطاني، و يصوب الحلفاء انظارهم في قلق نحو هدف هتلر التالي: بولندا.
كانت مدينة دانزج Dansig (و البولندية Gdansk)، الميناء الهام على بحر البلطيق، مدينة تقع في القلب من الإمبراطورية الألمانية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. لكن، بنهاية الحرب و تنفيذ معاهدة فرساي على أرض الواقع، يتم إعادة انشاء دولة بولندا، بعد ان اختفت عن الوجود لأكثر من قرن من الزمان، و ذلك باقتطاع المناطق الغربية من القيصرية الروسية، و الشرقية من القيصرية الالمانية. لكن و لأهمية مدينة دانزج خصوصا، و لتمتعها بغالبية المانية، تراجع الحلفاء عن إهانة الالمان، بضم مدينتهم الاثيرة للدولة البولندية الوليدة، لذا اكتفي بإعطاء المدينة صفة الاستقلال، لتصبح احد المدن المعدودة في العالم ذات الصفة: Free City (مثلها في ذلك الوقت مثل طنجة في المغرب و شانجهاي في الصين). لكن بصعود نجم الفوهرر الألماني، تتصاعد دعوات القوميين الالمان من جميع اركان أوروبا طلبا للانضمام للرايخ الألماني.. جاءت الدعوات حارة قوية من دانزج، و لم يكن الفوهرر ليتأخر.
طالب هتلر من البولنديين ضم المدينة، المحاطة بأراضي بولندية من كل اتجاه، للرايخ الألماني، لكن بولندا الوليدة ذات النزعة الوطنية، نتيجة لحكم عسكري قومي، رفضت الانصياع لهتلر، مدعومة بتشجيع و دعم صريح من بريطانيا.
و هنا كانت غلطة بولندا الكبرى: انهم بالغوا في الاعتماد على الإمبراطورية البريطانية، التي لم تكن مستعدة للحرب بعد. الأدهى من ذلك، ان البريطانيين تعالوا في مفاوضاتهم مع ستالين، دكتاتور الاتحاد السوفييتي، ما جعل الأخير يرتمي في أحضان اعدائه الأيديولوجيين و الجيو-سياسيين: الالمان.

اتفاقية عدم الأعتداء الألمانية السوفييتية، في حضور ستالين – اغسطس 1939

فبعد زيارة هامة لوزير الخارجية الألماني لموسكو، ستعقد الاتفاقية الخطيرة، الذي ستدفع الحرب قدما، و التي ستكبد الدولتين غاليا في وقت لاحق: اتفاقية “مولوتوف – ريبنتروب” (مولوتوف هو وزير خارجية الاتحاد السوفييتي، في حين كان فون ريبنتروب وزير خارجية ألمانيا) – اتفاقية “عدم الاعتداء الألماني السوفييتي”، الموقعة في أغسطس 1939، و التي بمقتضاها تتفق الدولتين على اقتسام بولندا فيما بينهما، بالإضافة للتعاون التجاري الوثيق: مواد خام من الاتحاد السوفييتي مقابل تسليح من المانيا (للتعاون السوفييتي الألماني تاريخ مظلم، حتى ما قبل الاتفاق، خصوصا مع بداية الخطط الخمسية السوفييتية للنهضة بالتصنيع.. اذ كانت تشحن الحبوب السوفييتية بكميات ضخمة لألمانيا لقاء المعدات و الآلات الألمانية.. كان فلاحي أوكرانيا يموتون من المجاعات المرعبة، في حين كانت تتمتع الخنازير الألمانية بوجبات غنية بفائض القمح السوفييتي).




و بالفعل يبدأ الغزو النازي لبولندا من الغرب يوم 1 سبتمبر 1939 (يتبعه الغزو السوفيتي من الشرق في غضون أسبوعين)، و سرعان ما تنهار بولندا الوحيدة تحت اقدام النازيين و السوفييت بعد قصف وحشي و تقدم سريع مذهل للقوات الألمانية، في عرف لاحقا بالـBlitzkrieg – الهجوم الألماني الخاطف.
في عرف السياسة الدولية الراشدة، لم يكن مفترضا ان تعتري الساحة الدولية أي تحركات متسرعة تجاه غزو بولندا؛ الدولة تم احتلالها بواسطة قوتين عظميين، خصوصا من الجانب الألماني الذي كان على أهبة الاستعداد لشن الحروب و خوضها. لكن، هتلر كان قد جاوز المدى، و الدول الأوروبية الكبرى شعروا بالإهانة الكاملة من جراء تجاهل الفوهرر الألماني لهم. لذا، في الثالث من سبتمبر 1939، تقوم بريطانيا و فرنسا بإعطاء المانيا الإنذار بالتراجع عن غزو بولندا خلال 48 ساعة، و الا كانت الحرب..
.. و بالطبع كانت الحرب.
لكن في الثمانية أشهر الاولى التي تلت غزو بولندا، كانت حربا مزيفا Phoney War، لم يُقدم فيها الحليفين، بريطانيا و فرنسا، على أي تحرك، و اكتفوا بحشد قواتهم و تسريع عملية إعادة التسليح؛ بالطبع حتى ضرب هتلر ضربته التالية.. و كانت ضربة هائلة غير مسبوقة في التاريخ العسكري.

#الحرب_العالمية_الثانية
#دردشة_في_التاريخ

Facebook Comments