الحرب العالمية الثانية – ما قبل الحرب – ايطاليا 1

 

بنيتو موسوليني

ان القارئ المتعجل لتاريخ الحرب العالمية الثانية، ليمر مرور الكرام على دور إيطاليا في الحرب، و يرجع ذلك بالأساس لحجم إيطاليا العسكري بالمقارنة بألمانيا و اليابان، و لإخفاقاتها المتتالية في الحرب منذ اللحظة الأولى. بل ان معظم الكتب التي تتناول الحرب بشكل مركز و مختصر تمر مرورا سريعا على مشاركات إيطاليا الحربية و تتناول، في اختصار مخل، الفاشية الإيطالية و التقلبات الفكرية و السياسية المعقدة لزعيم إيطاليا، الدوتشي بنيتو موسوليني، و الذي كان له دور أساسي في الهام أدولف هتلر، الذي كان يصرح في جلساته الخاصة بأعجابه و اقتدائه بالزعيم الإيطالي، الذي اعتلى سدة الحكم في بلاده قبل تولي هتلر منصب المستشارية بعقد كامل من الزمن. و رغم ان هذا الاعجاب لم يكن متبادلا، الا ان الظروف الدولية على الساحة الأوروبية و المصالح المشتركة – و القرارات الهوجاء – ستربط الرجلين حتى الرمق الأخير من الحرب.





موسوليني، و على العكس من هتلر، لم يكن مجرد قومي مهووس بقوميته، بل سياسي مخضرم و انتهازي من العيار الأول، تنقل عبر الطيف السياسي، من اقصى اليسار حتى اقصي اليمين؛ و كما هتلر كان خطيبا مفوها، ذا كاريزما من الطبقة الأولى.. بل زد عليه ان الرجل كان صحفيا مخضرما و مُنظرا سياسيا لا يشق له غبار. صحيح ان تأثير المملكة الإيطالية على مسار الاحداث و مآلات الأمور لا يقارن بألمانيا النازية، الا انه مما لاشك فيه، ان مسيرة بنيتو موسوليني كانت أكثر غنىً و اثارةً من حياة أدولف هتلر نفسه. (و حتما مما لا شك فيه، سنفرد لاحقا ملفا موسعا يتناول المسار المذهل في حياة هذا الرجل المثير).
لفترة طويلة قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية، كان الحكم الفاشي لبنيتو موسوليني مستتبا، دون اثارة ضغائن عند الديموقراطيات الغربية (فرنسا و بريطانيا) و التي تحالفت مع الدوتشي (القائد بالايطالية) في جبهة “سترسا” ليكونوا جبهة لحماية النمسا من المطامع الألمانية و المحافظة على تطبيق معاهدة فرساي على أرض الواقع (ما تبقي منها، بطبيعة الحال).

الغزو الايطالي للحبشة من مستعمراتها بشرق افريقيا

لكن هذا التحالف انهار بغتة عندما أقدم موسوليني على مغامرة غزو الحبشة عام 1935، تحقيقا لحلم تمدد الإمبراطورية الإيطالية، الوريثة الشرعية للإمبراطورية الرومانية القديمة، بحسب زعمه. امتعضت الدول الغربية خصوصا بريطانيا، لما للحبشة من مكانة، تتمثل في عضويتها بعُصبة الأمم (الكيان الذي أنشئ عقب الحرب العالمية الأولى، و المشابهة وظيفيا للأمم المتحدة حاليا) و لمكانتها الحضارية كونها مملكة مسيحية مستقلة عريقة، و لأن عصر التوسع الاستعماري كان قد انقضى ابان الحرب العالمية الأولى و اتفاقياتها التي قسمت الأراضي و مناطق النفوذ بين المنتصرين! (لكن احد الاسباب الحقيقية كان تهديد ايطاليا لمنابع النيل الذي تعتمد عليه مصر، حليفة الامبراطورية البريطانية و مركز عملياتها الرئيسي في الشرق الاوسط).
لكن الطليان، الذين كانوا في صف الحلفاء اثناء الحرب العالمية الأولى، لم يتم تعويض تضحيات جنودها و مكافئتهم كما الحال مع الغنائم الشاسعة التي اقتسمتها بريطانيا و فرنسا. لذا كان اقدام موسوليني على غزو الحبشة – من وجهة النظر الإيطالية – استردادا لحقوق إيطاليا التي بُخست بعد الحرب الأولى.
.. و بعد التوسع الاستعماري في الحبشة، سيتمدد موسوليني مرة أخرى، بغزو البانيا في ابريل 1939 – لكن قبل تلك المغامرة، سينغرز الفاشيون الايطاليون اولا في المستنقع الاسباني.




في العام 1936 تندلع الحرب الاهلية الاسبانية، بين الجمهوريين ذوي الميول اليسارية الديموقراطية و بين العسكريين القوميين ذوي الميول الفاشية. تنبري القوى الأوروبية المختلفة، كلٌ يساعد اتباعه الفكريين: المانيا النازية و إيطاليا الفاشية إلى جانب القوميين بقيادة الجنرال فرانكو، و الاتحاد السوفييتي و المتطوعين من الدول الديموقراطية في جانب الجمهوريين. تراخى حلفاء الجمهوريين في تقديم مساعداتهم (فرنسا اليسارية في ذلك الوقت لم تقدم الدعم على الاطلاق، و كان دعم السوفييت متذبذبا، غير مضمون) في مقابل حماس القوى الفاشية الذين قدموا الجنود و الذخيرة، و خاصة الدعم الجوي الذي رجح كفة القوميين، لتنتهي الحرب بتولي الجنرال فرانكو سدة الحكم، عام 1939.
بانتصار حليفهم في الحرب تعلو ثقة المعسكر الفاشي – معسكر دول المحور الأوروبية – خصوصا بعد اختبار اسلحتهم على ارض الواقع. لكن إيطاليا افقر من المانيا و صناعتها و تسليحها اضعف، لذا تخرج من هذه المغامرة مكبلة أكثر بالديون و بالخسائر البشرية و التسليحية، ما سيؤثر بشدة على كفاءتها العسكرية في الحروب المقبلة.

Facebook Comments