الحرب العالمية الثانية – ما قبل الحرب – ايطاليا 2


في خضم محادثات مؤتمر برلين 1878، لمناقشة تبعات الهزيمة الصاعقة للدولة العثمانية من القيصرية الروسية (1877 – 1878)، ثم لاحقا في محادثات مؤتمر برلين 1884 – 1885 لتقسيم الكعكة الافريقية على القوى الأوروبية، أبدت إيطاليا، المملكة الأوروبية الوليدة (1860) – الأضعف من بين الستة الكبار – امتعاضها من تجاهلها و لمحت من انها ستعارض دبلوماسيا تلك التقسيمات، خصوصا الحصص الفرنسية، لذا تقرر اطلاق يديها في القرن الأفريقي، و منحها ولاية طرابلس العثمانية في شمال افريقيا (و معها ملحقاتها: طبرق و فزان).

مصطفى كمال (لاحقا اتاتورك) على الجبهة في درنة

استولت إيطاليا على اريتريا و على جزء كبير من الصومال، لكن الدولة الضعيفة اقتصاديا و عسكريا في ذلك الوقت لم تبادر للاستحواذ مباشرة على “حصتها” من تقسيمة الدولة العثمانية و القارة الافريقية.

استمر التجاهل الإيطالي لليبيا حتى انقضى القرن التاسع عشر و مضى عقد كامل من القرن العشرين، بل لربما استمر اكثر من ذلك، لولا حملة صحفية من الصحف القومية ربيع 1911، مطالبة الدولة الايطالية ان تحفظ ماء وجهها في مواجهة باقي القوى الأوروبية، و ان تقوم باحتلال طرابلس العثمانية كي يتم اعتبارها دولة استعمارية ذات معنى، و ان تلقى الاحترام الواجب في الأوساط الاوروبية. و مما شجع الحكومة الإيطالية في ذلك الوقت تحديدا، كان بالطبع اهمال الدولة العثمانية للأراضي الليبية و ضعف تحصيناتها و حمايتها عسكريا، خصوصا بعد ارسال جزء كبير من قواتها في طرابلس لقمع المتمردين في اليمن.




و بالفعل تقدم إيطاليا إنذارا للدولة العثمانية للتخلي عن ولاية طرابلس (الحكومة العثمانية آنذاك من أعضاء جمعية الاتحاد و الترقي) ليلة 27 سبتمبر 1911. تحاول الحكومة العثمانية (عبر وسيط نمساوي) التفاوض عبر تقديم تسهيلات للطليان، ما يمكنهم من التحكم في الشئون الليبية بطريقة تشابه تحكم البريطانيين بمصر، لكن الايطاليين لا يرضون الا بالتحكم الكامل بالأراضي الليبية. رفضا للامتهان الإيطالي الفج يرفض العثمانيون الانذار، فيعلن جيوفاني جيولتّي، وزير الوزراء الإيطالي، الحرب على الدولة العثمانية في 29 سبتمبر 1911.
ما بين 1911 و 1912، يتم نقل قوات صومالية و اريترية من مُقديشو (مركز الاستعمار الإيطالي في القرن الافريقي) لتقاتل مع القوات الإيطالية لدهر القوات العثمانية و للسيطرة على كامل الساحل الليبي. تواجه القوة الإيطالية (20 الف جندي) مقاومة عنيفة غير متوقعة اثر انضمام العرب البدو إلى صفوف القوات التركية، و وصول الدعم من البدو في مصر و تونس؛ برز في تلك المواجهات عدد من الضباط الاتراك في معارك المقاومة، الذين سيكون لهم لاحقا تأثير مهم على الساحة التركية و العالمية، ابرزهم: أنور باشا (القيادي في جمعية الاتحاد و الترقي و لاحقا وزير الحربية العثماني في الحرب العالمية الأولى) الذي قام بالهجوم على القوات الإيطالية في درنة، لكنه الهجوم انقلب عليه و كُبدت القوات العثمانية خسائر ضخمة، و لاحقا يتم استدعائه عند اندلاع حرب البلقان الأولى؛  و اليوزباشي (لاحقا بكباشي) مصطفي كمال (اتاتورك فيما بعد)، الذي استطاع تحقق نصر مهم في معركة طبرق في 22 ديسمبر 1911، ليتم نقله بعدها لقيادة جبهة درنة.

اسماعيل انور بك (باشا لاحقا) على الجبهة في طبرق

يتم زيادة القوات الإيطالية إلى 100 ألف على الأرض، و تدخل البحرية الإيطالية على الخط ليتم تدمير الاسطول العثماني الضعيف على سواحل مدينة بيروت، و سرعان ما يقترب التهديد من قلب الدولة العثمانية نفسها باحتلال البحرية الإيطالية لجزر الدوديكانيز المتاخمة لسواحل الاناضول (اشهر تلك الجزر جزيرة رودس). بعجز البحرية العثمانية تتوقف الامدادات للقوات العثمانية على السواحل الليبية، خصوصا و ان قوات الاحتلال البريطاني في مصر رفضت مرور أي امدادات عثمانية من فلسطين إلى طبرق و طرابلس عبر الأراضي المصرية.
تنهار عزيمة الحكومة العثمانية، خصوصا مع اندلاع حرب البلقان الأولى؛ ترضخ للضغوط الدبلوماسية و توقع على معاهدة سلام (استسلام بالحقيقة) في لوزان في 18 أكتوبر 1912، تتنازل فيها عن ولاية طرابلس و بني غازي، في مقابل انسحاب إيطاليا من جزر الدوديكانيز. تستولي إيطاليا على ليبيا و لا تعيد الجزر (نتيجة اندلاع الحرب العالمية الأولى)، و انما تنتقل تبعيتها إلى اليونان عام 1947.. و هو الوضع القائم حتى الأن على أرض الواقع.
ما ان تنسحب الدولة العثمانية من المشهد، حتى تندلع المقاومة العربية السنوسية الباسلة في مواجهة الطليان، مواجهة ستمتد عبر عقدين من الزمان.. لكن الاحتلال الإيطالي – تحت الحكم الفاشي الشرس لموسوليني – يتوحش و يُطلق جزاريه بييترو بادوليو و ردولفو جرازيني على العرب و البدو، لتخمد المقاومة السنوسية بشكل كبير بعد اعدام قائدها و بطلها، الشيخ عمر المختار.




تتمدد إيطاليا إلى العمق الصحراوي و تشدد قبضتها على السكان المحليين، ثم يتم توحيد طرابلس و طبرق و فيزان في كيان واحد، ما يطلق عليه اسم: مستعمرة “ليبيا الإيطالية”. و تبدأ سياسة “طلينة” الواقع الليبي: من تحديث و تعمير أوروبي، وصولا لدمج الليبيين، بل و ضمهم في الجيش الإيطالي نفسه للمشاركة جنبا إلى جنب في المواجهات المقبلة.. ذلك أن إيطاليا الفاشية كانت تحشد و تركز عسكريا و لوجستيا، خصوصا على جبهة ليبيا الشرقية.
.. سيكون الاختبار في الحرب العالمية الثانية، بداية بالغزو الإيطالي لمصر، صيف 1940.

Facebook Comments