الحرب العالمية الثانية – ما قبل الحرب – اليابان 1


اكتمل توسع الولايات المتحدة في محيطها القاري الحالي بعد تغلبها على المكسيك، في الحرب التي اندلعت بينهما، 1846 – 1848، و ذلك بضمها لتكساس و استحواذها على الجزء الغربي الضخم من قارة أمريكا الشمالية، و الذي تحول إلى الولايات الأمريكية الغربية الحالية: نيفادا، يوتاه، اريزونا، نيو مكسيكو، و طبعا كاليفورنيا.
و بوصول نفوذها للمحيط الهادئ، انطلقت الأنظار الأمريكية الشرهة إلى الضفة الأخرى من المحيط؛ اذ هناك، على الشاطئ الأسيوي المذعور، كانت القوى الأوروبية في بداية الصراع لاقتسام الكعكة الأسيوية الغنية بالخيرات. كان المارد الأمريكي لا يزال في بداية قوته، لذا كانت فكرة الغزو خارج الحدود مستبعدة تماما، و استقر الرأي على فرض سياسة الاخضاع و انشاء الاحتكارات التجارية على الموانئ، تماما كما فعلت بريطانيا و فرنسا و البرتغال في الهند قبل قرن و نصف من الزمان (و في ذلك الوقت و بعده، في الصين) – بعد ذلك، يأتي الاحتلال و الاستعمار الشامل. و تفهما لقدراتهم العسكرية و البحرية الضعيفة نسبيا، اختار الأمريكيون ان يكون هدفهم الأول بلدا بعيدا عن مطامع الامبراطوريات الأوروبية الراسخة، و في نفس الوقت ان يكون هدفا ضعيفا، يسهل اخافته و السيطرة عليه؛ و كان اختيارهم الأول لجارتهم الأقرب في أسيا.. اليابان.
بفضل موقعها الاستراتيجي المميز، استطاعت اليابان ان تبقى بعيدة عن الاعيان و المطامع الأوروبية، و استطاعت ان تحافظ على عزلتها الحضارية و نظامها الاقتصادي و الاجتماعي (الاقطاعي العتيق، المستمر منذ القرون الوسطى) لفترة طويلة من الزمن، بل و ان تكبح جماح التجار الأوروبيين – الغير مدعومين عسكريا و بحريا من بلدانهم، لبعد المسافة و عدم دخول المحركات البخارية في السفن البحرية الضخمة بشكل مكثف بعد – لينحصر النشاط التجاري في ميناء نجازاكي فقط.

اليابانيون يتطلعون في ذعر إلى الأسطول الأمريكي في خليج ادو (طوكيو حاليا)

لكن، في الثامن من يوليو 1853، يقتحم القائد البحري ماثيو بري، على رأس اسطول امريكي، خليج ايدو المشرف على العاصمة اليابانية. يطالبهم بفتح موانئهم للتجارة الأمريكية و القبول باتفاقية تجارية لصالح الولايات المتحدة. اليابانيون، المنعزلون، المتأخرون حضاريا، و طبعا عسكريا عن العالم، يصيبهم الذعر امام الاسطول الحديث و مدافع البحرية الأمريكية المرعبة. يعطيهم الكومودور بري مهلة سنة للرد عليه؛ لكن الرجل و اسطوله، بعد جولة سريعة إلى جزيرة فيرموسا (تايوان حاليا)، يعود إليهم بعد تسعة أشهر و يجبرهم على امضاء اتفاقية كاناجاوا المُذلة في 31 مارس 1854.
و بتجرؤ الأمريكيين على اليابان المحصنة المعزولة، تتوافد القوى الأوروبية على اليابان لفرض عقودها التجارية المجحفة و المنتهكة للسيادة اليابانية.
.. تنتفض اليابان القديمة تحت وطأة الإهانة؛ تصيب الصدمة الجميع و تعتري المجتمع تشنجات عصبية، تتمخض عن حرب أهلية محدودة.




باعتلاء الإمبراطور الشاب ميجي سدة الحكم عام 1867، تتخلى العقلية اليابانية الحاكمة عن فكرة محاولة الحفاظ على النظام القديم و المحاربة من أجله. تجلت امامهم الحقيقة الكاملة: النظام الياباني القائم اضعف من ان يصمد امام الطوفان الغربي الجامح. يجب ان يحدث التغيير.. و بسرعة.

الأمبراطور ميجي (1867-1912)

تتحول دفة الحكم في اليابان، يتم القضاء على النظام الاقطاعي القديم (خصوصا اقطاعية توكوجوا القوية)، و تتركز السلطة تحت الإمبراطور و رجاله كما في الملكيات الغربية. تُطبق النظم الأوروبية الحديثة في الإدارة و التعليم و بناء المصانع و انشاء الجيوش الجديدة، و تنظيم الأسواق و التجارة.. مع تعديل هام: كانت الدولة تقوم باستيراد التكنولوجيا الغربية و تعتنق الأساليب الغربية في وسائل الإنتاج، و عن طريقها تقوم بإنشاء المصانع و الشركات، و من ثم تقوم ببيعها للتجار الكبار و العائلات النافذة و الساموراي المخلصين، لتعويض التكاليف الباهظة لعملية التحديث.. اجراء حيوي انقذ الصناعة اليابانية من معوقات البيروقراطية الحكومية، و ساهم في من تطورها و نموها، بل و دفع لتحويل النظام الاقتصادي الياباني للنظام الرأس مالي بسرعة.
و تحت شعار “دولة غنية، جيش قوي”، انطلقت اليابان تبنى مجدها المنشود.. انها الحقبة اليابانية الذهبية: حقبة ميجي (1867 -1912)، التي ستصعد باليابان لمصاف القوى العظمى في غضون عقود قليلة.. فبعد اقل من 40 سنة من بدايات نهضتها، ستناطح اليابان روسيا القيصرية و ستهينها في حرب خاطفة عام 1904 – 1905، ثم تنطلق بعدها لتتمدد في محيطها الاسيوي العريض.




تلك المعجزة اليابانية المذهلة سيكون لها تأثيرات كبيرة، ليس فقط في اليابان و شرق اسيا، و الواقع الجيو – سياسي للعالم، بل ستكون مصدر الهام كبير للقوى القومية الناشئة في مختلف بقاع العالم.
لن تكون النتائج هذه التجربة مرضية بأي حال من الأحوال؛ لن تقدر الشعوب على استنساخ التجربة اليابانية، بل و ستتمخض تجارب عديدة عن فشل مزري و كوارث مفزعة.. ناهيك عن ان ذلك الصعود المكوكي المذهل لليابان في اتباع و تقليد الأساليب الأوروبية، سيجر الأمة اليابانية لطريق الشر و العنجهية الاستعمارية الأوروبية المقيتة.

Facebook Comments